دفع العدوان الإسرائيلي المتواصل على جنوب لبنان آلاف اللاجئين الفلسطينيين إلى موجة نزوح جديدة باتجاه مخيم شاتيلا وسط العاصمة بيروت، ليعيشوا مجدداً مرارة التهجير الأوّل ومأساة النكبة المستمرة منذ عقود. وتتشارك العائلات الفلسطينية النازحة من مخيمات الجنوب حالياً ذات الظروف الإنسانية والمعيشية الصعبة مع المواطنين اللبنانيين الذين هُجروا من قراهم،
وسط تأكيدات جماعية من داخل المخيم على التمسك المطلق بالهوية الوطنية وحتمية الانتماء لفلسطين وعروبة القدس.
ويبرز هذا التمسك الممتد عبر الأجيال في حرص العائلات النازحة على الاحتفاظ بمفاتيح بيوتها العتيقة في مدن وعموم قضاء حيفا وطبريا، حيث يتناقل الأبناء والأحفاد أحلاماً حية بالعودة وإعادة فتح محال أجدادهم التجارية والعيش تحت ظلال أشجار الزيتون إنهاءً لحياة الاغتراب، بالتوازي مع تقديرهم للحاضنة اللبنانية التي استقبلتهم طوال عقود. وفي السياق ذاته، يربط
اللاجئون بين هذه المعاناة المتجددة وبين ما يشهده قطاع غزة من قتل وتدمير كدليل على أن النكبة مستمرة ولم تتوقف، مستحضرين التاريخ الثقافي والحضاري العريق لبلادهم منذ عشرينيات القرن الماضي، ومعتبرين أن لبنان بدوره يتحمل شظايا هذه المأساة منذ الأربعينيات باعتباره الدولة الأكثر تحملاً لأعباء القضية الفلسطينية.
وترسم هذه التطورات الميدانية واقعاً معقداً يعكس الأرقام الرسمية الصادرة عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، والتي تشير إلى وجود قرابة 489 ألف لاجئ فلسطيني في لبنان، يقطن نحو 45% منهم داخل 12 مخيماً تعاني من اكتظاظ شديد وتحديات اقتصادية متفاقمة، دون أن تثنيهم هذه الظروف القاسية والنزوح المستجد عن التمسك بحقهم التاريخي الثابت في العودة إلى مدنهم وقراهم الأصلية.