في مناطق سيطرة “الإدارة الذاتية” شمال شرقي سوريا، برز خلال السنوات الماضية مشهد إعلامي واسع يضم وكالات وقنوات وإذاعات ومواقع إلكترونية متعددة، بات يشكل إحدى أهم أدوات نقل الخطاب السياسي والعسكري، مع استمرار الجدل حول مدى مهنيته واستقلاليته.
وتشمل هذه المنظومة مؤسسات إعلامية متعددة مثل وكالة هاوار، وقناة وصحيفة روناهي، وقناة اليوم، ووكالة جينها، ووكالة نورث برس، إضافة إلى إذاعات محلية مثل خابور وأوركيش، حيث تتقاطع هذه الوسائل في تغطية الملفات السياسية والعسكرية رغم اختلاف أساليبها التحريرية.
يرى باحثون أن فهم هذا المشهد يرتبط مباشرة بالبنية السياسية والأمنية التي تعمل ضمنها هذه المؤسسات، إذ نشأ الإعلام وتطور في سياق صراع طويل جعله مرتبطاً بشكل وثيق بالخطاب السياسي العام في المنطقة.
وفي المقابل، يشير صحفيون من المنطقة إلى أن المشهد الإعلامي لا يمكن تفسيره فقط من زاوية السياسة، بل أيضاً من زاوية السيطرة على المجال الإعلامي، حيث تعمل بعض المؤسسات ضمن أطر حزبية مباشرة، بينما يُقدَّم بعضها الآخر كمنصات مستقلة لكنها تتحرك ضمن البيئة ذاتها.
على مستوى الخطاب، يظهر تقاطع واضح في المصطلحات المستخدمة بين وسائل الإعلام المختلفة، سواء في تغطية الملفات العسكرية أو السياسية، مع اعتماد توصيفات موحدة تعكس الانسجام مع الخط السياسي العام للإدارة الذاتية.
ويعتبر باحثون أن هذا التشابه في اللغة الإعلامية يعكس وحدة المرجعية السياسية التي تنتج هذا الخطاب، بينما يرى آخرون أن الأمر يرتبط بوجود سقف سياسي غير معلن يحدد حدود النقد المسموح ويؤثر على طبيعة التغطية.
وتحاول بعض المؤسسات الإعلامية تقديم نفسها بصورة أكثر مهنية واستقلالية عبر اعتماد أسلوب لغوي أكثر هدوءاً مقارنة بوسائل أخرى، إلا أن هذا التباين يبقى، وفق مراقبين، مرتبطاً بدرجة الاحتراف في تقديم الخطاب أكثر من اختلاف جوهره.
ويشير صحفيون إلى أن المهنية تتراجع بشكل واضح عند تناول الملفات الأمنية والعسكرية، حيث يصبح الخطاب أقرب إلى التعبئة منه إلى الصحافة المهنية، حتى في المؤسسات التي تُصنف أكثر اعتدالاً.
أما على مستوى التأثير، فيتفاوت حضور هذه الوسائل داخل المجتمع المحلي، حيث يكون أقوى في المناطق ذات الغالبية الكردية، بينما يتعامل السكان في مناطق أخرى مع هذه المنصات بشكل براغماتي للحصول على المعلومات دون تبني كامل لخطابها السياسي.
وفي المقابل، يشير آخرون إلى أن جزءاً من الجمهور يتعامل مع هذه الوسائل باعتبارها المصدر الرسمي للمعلومات، بينما يحتفظ آخرون بمسافة نقدية تجاه محتواها.
وتظهر شهادات صحفيين سابقين أن العمل الإعلامي في بعض هذه المؤسسات يتم ضمن سقف سياسي واضح، مع وجود حدود غير معلنة تحدد طبيعة المحتوى المسموح ونطاق التغطية.
ويرى مراقبون أن الإعلام في هذه الحالة مرتبط ببنية سياسية أوسع، حيث تعمل المؤسسات الإعلامية ضمن شبكة نفوذ ترتبط بالإدارة الذاتية، ما يجعل الفصل بين الإعلام والسياسة أمراً معقداً.
كما تشير روايات أخرى إلى أن القرار الإعلامي يرتبط بهياكل تنظيمية وسياسية أوسع، ما يجعل الإعلام جزءاً من منظومة متكاملة لإدارة الخطاب العام في المنطقة.
في المقابل، واجهت الإدارة الذاتية انتقادات من منظمات حقوقية بشأن حرية الصحافة، وسط تقارير تتحدث عن قيود واعتقالات طالت صحفيين خلال السنوات الماضية.
ويرى مراقبون أن هذه الانتقادات تعكس وجود إشكالات في البيئة الإعلامية، تتداخل فيها عوامل سياسية وأمنية مرتبطة بطبيعة الصراع في المنطقة.
ويؤكد صحفيون أن بعض التضييقات على العمل الإعلامي قائمة بشكل واضح، مع غياب قانون إعلامي مستقل يضمن حرية أكبر في العمل الصحفي.
وشكلت الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية نقطة تحول في المشهد الإعلامي، حيث انتقلت وسائل إعلام محلية محدودة إلى شبكة واسعة متعددة اللغات، لعبت دوراً في نقل سردية الحرب وبناء الخطاب السياسي والعسكري.
لكن هذا التطور، وفق محللين، لم يكتمل باتجاه بناء إعلام رقابي مستقل، بل بقي في إطار إعلام مرتبط بسياق سياسي وأمني واضح.
ويجمع مراقبون على أن النقد داخل هذه المنظومة الإعلامية موجود لكنه محدود، إذ يتركز غالباً في الملفات الخدمية، بينما تبقى القضايا الأمنية والعسكرية خارج نطاق النقد الفعلي.
وفي ظل استمرار التحديات الأمنية والاقتصادية وغياب مؤسسات إعلامية مستقلة بالكامل، يبقى العمل الصحفي في شمال شرقي سوريا محكوماً بتوازنات دقيقة بين السلامة الشخصية والاستقلال المهني.
وبين التعددية الشكلية في الوسائل الإعلامية ووحدة الإطار السياسي العام، يستمر المشهد الإعلامي هناك كمساحة تتداخل فيها الصحافة بالسياسة، وتتشكل فيها الرواية ضمن حدود واضحة بين المهنية والتعبئة.