مشهد أمني متصدع
تشهد محافظة السويداء خلال الأشهر الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في معدلات العنف والجريمة، وسط تنامي مظاهر الانفلات الأمني وتراجع قدرة الجهات المحلية على احتواء التوترات المتفاقمة.
وتوزعت حوادث القتل المسجلة بين عمليات إطلاق نار مباشر، وجرائم جنائية ناجمة عن خلافات شخصية، إضافة إلى حوادث ارتبطت بمحاولات سرقة أو تصفية حسابات، في مشهد يعكس تعقيد الأزمة الأمنية التي تعيشها المحافظة منذ سنوات.
وبحسب شهادات محلية وقراءات حقوقية، لم يعد العنف مجرد حوادث متفرقة، بل تحول إلى حالة عامة من القلق والخوف اليومي، مع شعور متزايد لدى السكان بأن الأمن الشخصي بات هشاً، وأن أي خلاف بسيط قد يتطور سريعاً إلى مواجهة مسلحة.
السلاح المنفلت
يرى مراقبون أن الانتشار الواسع وغير المنضبط للسلاح يشكل العامل الأكثر خطورة في تفاقم العنف داخل المحافظة، في ظل غياب الرقابة القانونية وضعف إجراءات الضبط.
وسُجلت خلال الفترة الماضية إصابات ووفيات ناجمة عن الاستخدام العشوائي للأسلحة، سواء داخل المنازل أو في الأماكن العامة، ما يعكس تراجع معايير الأمان وتحول السلاح إلى جزء من الحياة اليومية.
كما أُصيب مدنيون في عدة حوادث إطلاق نار عشوائي، بينها وقائع قرب دوار “الباشا” وسط مدينة السويداء، حيث أطلق مسلحون النار في الهواء من دون معرفة الدوافع، ما أدى إلى حالة هلع واسعة بين السكان.
القنابل والخطر الصامت
برزت القنابل اليدوية كأحد أخطر مصادر التهديد الأمني، مع تكرار حوادث انفجارها نتيجة العبث أو سوء الاستخدام، نظراً لقدرتها على إحداث إصابات جماعية.
وفي أواخر كانون الثاني الماضي، أدى انفجار قنبلة داخل المنطقة الصناعية بمدينة السويداء إلى مقتل طفلين، في حادثة أعادت تسليط الضوء على حجم المخاطر المرتبطة بانتشار المتفجرات داخل الأحياء المدنية.
الخلافات تتحول إلى مواجهات
تكشف الوقائع الميدانية عن تحول الخلافات الفردية واليومية إلى نزاعات مسلحة، بعدما تراجعت فاعلية الوساطات الاجتماعية والقانونية التقليدية.
وبات استخدام السلاح خياراً سريعاً لحسم النزاعات، سواء المرتبطة بخلافات شخصية أو بمشكلات يومية، بما في ذلك الخلافات على الدور أمام محطات الوقود والأفران وحتى خلال المناسبات الاجتماعية.
الفقر والجريمة
الحضور الجنائي كان واضحاً أيضاً في مشهد العنف المتصاعد، إذ ارتبطت بعض جرائم القتل بمحاولات سرقة، في ظل التدهور الاقتصادي وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.
وتشير معطيات محلية إلى أن الضغوط المعيشية دفعت بعض الجرائم الفردية إلى التحول نحو اعتداءات دموية أكثر عنفاً.
انتقادات للأمن المحلي
ورغم وجود قوى محلية تحت مسمى “الأمن الداخلي”، لا يزال ملف ضبط السلاح وملاحقة المتورطين في جرائم القتل محل انتقادات واسعة من الأهالي، الذين يعتبرون أن الإجراءات الحالية غير كافية للحد من تكرار الحوادث.
كما ساهمت الفوضى في تجارة السلاح في تعقيد الأزمة، مع تنامي عمليات البيع خارج الأطر الرسمية، سواء عبر بعض المحال التجارية أو عبر منصات التواصل الاجتماعي، في ظل غياب رقابة فعلية على عمليات البيع والشراء، الأمر الذي زاد من وصول الأسلحة إلى الأطفال واليافعين.
إرث التوترات السابقة
وتشير تقديرات محلية إلى أن التوترات التي تصاعدت عقب أحداث تموز الماضي أسهمت في ترسيخ حالة عدم الاستقرار، خاصة مع انتشار مجموعات وفصائل محلية متعددة خارج إطار الضبط المؤسساتي، ما أضعف سلطة القانون وعمّق هشاشة الواقع الأمني.
مستقبل مفتوح على المخاطر
في ظل غياب مؤشرات واضحة على تحسن قريب، تبدو السويداء أمام تحدٍ أمني متصاعد يتجاوز الحوادث الفردية نحو أزمة بنيوية أكثر تعقيداً.
ومع استمرار انتشار السلاح وتعدد أنماط العنف وضعف المعالجات الفعلية، تتزايد المخاوف من اتساع دائرة الفوضى بما يهدد سلامة المدنيين ويعمق حالة القلق داخل المجتمع المحلي.