الحرب الرقمية الإيرانية تربك الخطاب الأمريكي عبر الإنترنت

2026.05.14 - 17:30
Facebook Share
طباعة

 شهدت الدبلوماسية الإيرانية خلال الأشهر الأخيرة تحولا لافتا في أساليب التواصل والتأثير، بعدما تحولت سفارات إيران وبعثاتها الرسمية إلى منصات رقمية نشطة تخوض معارك إعلامية مباشرة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ضمن ما بات يوصف بحرب السرديات والمعلومات.

 

وبرز هذا التحول مع تصاعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، حيث انتقلت الحسابات الرسمية الإيرانية من الخطاب الدبلوماسي التقليدي إلى أساليب أكثر هجومية تعتمد على السخرية والتفاعل السريع مع الثقافة الرقمية العالمية.

 

وفي واحدة من أبرز الإشارات إلى تأثير هذه الحملة، تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عبر منصة “تروث سوشال” عن الحضور الإيراني المكثف على الإنترنت، في انعكاس لحجم التفاعل الذي حققته الحسابات الإيرانية خلال فترة الحرب.

 

وبحسب تحليل صادر عن معهد الحوار الاستراتيجي، فإن الحسابات التابعة للدبلوماسيين والسفارات الإيرانية على منصة “إكس” شهدت تحولا جذريا منذ اندلاع الحرب في فبراير/شباط الماضي، إذ تخلت عن اللغة الرسمية التقليدية لصالح محتوى يعتمد على التهكم والاستفزاز السياسي وصناعة المواد الساخرة.

 

واعتمدت هذه الحسابات بشكل واسع على تقنيات الذكاء الاصطناعي والمحتوى البصري سريع الانتشار، إلى جانب استخدام رموز الثقافة الشعبية الغربية والأمريكية، مثل شخصيات “سبايدر مان” و”توم وجيري” وأفلام شهيرة، بهدف توجيه رسائل سياسية ساخرة تستهدف الرواية الأمريكية والإسرائيلية.

 

ومن أبرز الأمثلة التي لاقت انتشارا واسعا، نشر السفارة الإيرانية في طاجيكستان مقطع فيديو مولدا بالذكاء الاصطناعي يظهر السيد المسيح وهو يصفع الرئيس الأمريكي، وهو منشور تجاوزت مشاهداته 24 مليون مشاهدة خلال الأسابيع الأولى من الحرب، ليصبح من أكثر المواد تفاعلا بين الحسابات الإيرانية الرسمية.

 

كما بثت السفارة الإيرانية في جنوب أفريقيا مقطعا ساخرا يظهر ترمب وهو يؤدي أغنية معدلة تتناول فشل محاولات عزل إيران وفرض الحصار عليها، وقد حقق المقطع ملايين المشاهدات وتفاعلا واسعا عبر المنصات الرقمية.

 

وفي سياق متصل، ظهر أسلوب جديد في الخطاب الدبلوماسي الإيراني يعتمد على ما وصفه مراقبون بـ”الرد الحاسم”، حيث أصبحت السفارات ترد بشكل مباشر وساخر على تصريحات المسؤولين الأمريكيين. فعندما تحدث ترمب عن مهلة لتدمير الحضارة الإيرانية، ردت السفارة الإيرانية في زيمبابوي بتعليق ساخر حول توقيت التنفيذ، ما أثار تفاعلا واسعا على الإنترنت.

 

وتطورت هذه التفاعلات إلى ما يشبه التنسيق الجماعي بين السفارات الإيرانية، إذ أصبحت عدة بعثات تشارك في التعليق على المنشورات نفسها لتعزيز انتشارها، وهو ما ظهر خلال الجدل المتعلق بمضيق هرمز، حيث تبادلت سفارات إيرانية تعليقات ساخرة حققت ملايين المشاهدات.

 

وتشير البيانات التي أوردها معهد الحوار الاستراتيجي إلى تضاعف النشاط الرقمي للحسابات الإيرانية أربع مرات خلال فترة الحرب، إذ ارتفع عدد المنشورات من نحو 10 آلاف إلى أكثر من 40 ألف منشور، فيما تجاوزت مئات التغريدات حاجز المليون مشاهدة.

 

كما انعكس هذا الحضور على نمو أعداد المتابعين، حيث ارتفعت حسابات بعض السفارات من بضعة آلاف إلى مئات الآلاف من المتابعين خلال فترة قصيرة، في مؤشر على نجاح هذا الأسلوب في الوصول إلى جمهور عالمي واسع.

 

وفي تقرير منفصل، تناولت صحيفة وول ستريت جورنال هذا التحول، مشيرة إلى أن إيران تمكنت من توسيع حضورها في حرب المعلومات عبر مقاطع فيديو ساخرة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وتستهدف إثارة الجدل داخل المجتمع الأمريكي وتعميق الانقسامات السياسية.

 

ولفت التقرير إلى أن هذه المواد تجمع بين الترفيه والخطاب السياسي، ما يجعل تأثيرها أكبر على مستخدمي الإنترنت، خاصة مع اعتمادها على أساليب بصرية قريبة من ثقافة المنصات الرقمية الحديثة.

 

في المقابل، لم تمر هذه الأنشطة من دون تداعيات سياسية ودبلوماسية، إذ كشفت وكالة رويترز أن الحكومة البريطانية استدعت السفير الإيراني في لندن احتجاجا على منشورات اعتُبرت تحريضية، بعد دعوات نُشرت عبر قنوات تابعة للسفارة لحث الإيرانيين المقيمين في بريطانيا على التطوع للدفاع عن بلادهم.

 

وأكد مسؤولون بريطانيون ضرورة التزام البعثات الدبلوماسية بالقوانين المحلية، وعدم استخدام المنصات الرقمية بطريقة قد تُفسر على أنها تشجيع للعنف أو التصعيد السياسي.

 

ومن جهتها، اعتبرت الباحثة نيغار مرتضوي أن هذا التحول يعكس انتقال الدبلوماسية الإيرانية إلى مرحلة جديدة تقوم على دمج القوة الناعمة مع الفكاهة السياسية، مؤكدة أن السخرية جزء متجذر في الثقافة الإيرانية، لكنها لم تكن مستخدمة سابقا بهذا الشكل في الخطاب الرسمي.

 

وترى مرتضوي أن نجاح هذه الحملة يعود أيضا إلى حالة الرفض الدولي الواسعة للحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما منح الرواية الإيرانية مساحة أكبر للانتشار والتأثير بتكلفة منخفضة نسبيا.

وفي الوقت نفسه، تشير التقديرات إلى أن هذه التجربة لا تزال في مرحلة التطور، حيث تختبر المؤسسات الإيرانية حدود هذا النوع من الدبلوماسية الرقمية، وما يمكن أن تحققه من مكاسب سياسية، أو ما قد يسببه من أزمات دبلوماسية مع بعض الدول الغربية.

ويبدو أن طهران تراهن بشكل متزايد على الفضاء الرقمي باعتباره ساحة موازية للميدان العسكري والسياسي، في محاولة لتعزيز حضورها الدولي والتأثير في الرأي العام العالمي من خلال أدوات الإعلام الجديد والحرب الرقمية.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 1