تحولت الكابلات البحرية الممتدة عبر الخليج العربي ومضيق هرمز إلى ملف إستراتيجي شديد الحساسية، بعدما برزت في الخطاب الإيراني كإحدى أوراق الضغط المحتملة وسط التصعيد الإقليمي المتواصل.
وأظهرت خرائط كابلات بحرية مرور 7 أنظمة رئيسية للاتصالات والإنترنت عبر مياه الخليج، في ممر لا ترتبط أهميته فقط بالطاقة والتجارة، وإنما بالبنية التحتية الرقمية التي تربط الخليج بآسيا وأوروبا وأفريقيا.
لم يعد مضيق هرمز ممراً حيوياً للنفط وحده، وأصبح أيضاً عقدة رئيسية لنقل البيانات والاتصالات والخدمات المالية والحوسبة السحابية.
شبكة رقمية تحت البحر:
تكشف الخرائط البحرية تركز عدد كبير من الكابلات في نطاق ضيق يمتد من خليج عمان إلى مدخل الخليج العربي وعبر مضيق هرمز، قبل أن تتفرع نحو نقاط إنزال في الإمارات وقطر والبحرين والكويت والسعودية والعراق وعُمان وإيران.
تشمل الأنظمة البحرية المارة في المنطقة:
“تو أفريقيا” (2Africa)
“آسيا أفريقيا أوروبا-1” (AAE-1)
“فالكون” (FALCON)
“فايبر إن غلف” (FIG)
“غلف بريدج إنترناشونال/ الشرق الأوسط وشمال أفريقيا” (GBICS/MENA)
“عمران/ إي بي إي جي” (OMRAN/EPEG)
“سي مي وي-6” (SeaMeWe-6)
تشير بيانات الاتحاد الدولي للاتصالات إلى أن الكابلات البحرية تشكل العمود الفقري للاتصالات العالمية، إذ تمر عبرها غالبية حركة الإنترنت الدولية والمعاملات المالية والخدمات السحابية والاتصالات الحكومية.
حديث إيراني عن “ورقة الضغط”:
تناولت وسائل إعلام إيرانية خلال الأشهر الماضية ملف الكابلات البحرية باعتباره نقطة حساسة في معادلة الضغط الإقليمي.
نشرت وكالة فارس في 24 أبريل/نيسان مقالاً تحدث عن الكابلات البحرية في هرمز بوصفها “عنق زجاجة” للاتصالات الرقمية في المنطقة، واعتبرها بنية تحتية خفية يمكن أن تتحول إلى نقطة ضعف إستراتيجية.
بدورها، طرحت وكالة تسنيم أبعاداً قانونية مرتبطة بمرور الكابلات وصيانتها ورسومها داخل المياه الإقليمية، مع حديث عن إمكان استخدام تلك الصلاحيات ضمن أدوات الضغط السياسي والاقتصادي.
وفي مقالات أخرى، أشارت الوكالة إلى أن استهداف كابلات الألياف الضوئية قد يؤثر في صادرات النفط والأسواق المالية والخدمات الرقمية لدول الخليج.
ماذا نعرف عن أبرز الكابلات؟:
يُعد كابل “فالكون” واحداً من أبرز المسارات البحرية داخل الخليج، ويرتبط بنقاط إنزال في البحرين والكويت والعراق وإيران وعُمان والإمارات والهند.
أما “آسيا أفريقيا أوروبا-1” فيمثل أحد أهم خطوط الربط بين جنوب شرق آسيا وأوروبا عبر الشرق الأوسط، ويعمل بسعات نقل ضخمة تعتمد على تقنية 100 غيغابت/ثانية، مع قدرة تصميمية تتجاوز 40 تيرابت/ثانية.
ويبرز كذلك “غلف بريدج إنترناشونال” الذي يجمع بين البنية البحرية والبرية، ويربط مراكز الاتصالات والمال في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا.
صُممت شبكة “غلف بريدج” كحلقة ذاتية التعافي داخل الخليج، مع فروع تمتد نحو إيران والعراق والكويت والسعودية والبحرين وعُمان.
يمتد كابل “تو أفريقيا” لمسافة تقارب 45 ألف كيلومتر، ويربط أكثر من 33 دولة في 3 قارات، ويستهدف خدمة نحو 3 مليارات شخص.
أما “فايبر إن غلف”، الذي تطوره أوريدو، فيُصنف كأحد أكبر مشاريع الكابلات البحرية في الخليج، بسعة تصل إلى 720 تيرابت/ثانية عبر 24 زوج ألياف ضوئية.
صُمم المشروع لتلبية الطلب المتزايد على الخدمات السحابية ومراكز البيانات ومنصات الذكاء الاصطناعي في الخليج.
ويبرز أيضاً “سي مي وي-6” الذي يربط جنوب شرق آسيا بالشرق الأوسط وأوروبا، بسعة أولية تصل إلى 126 تيرابت/ثانية.
ماذا يحدث إذا تعطلت؟:
لا يعني وجود 7 كابلات بحرية في هرمز أن أي عطل سيؤدي إلى انقطاع الإنترنت بالكامل عن الخليج، لأن شبكات الاتصالات تعتمد عادة على مسارات بديلة وإعادة توجيه لحركة البيانات.
لكن المخاطر ترتفع في حال تعرض عدة كابلات للتعطل في الوقت نفسه، أو تعذر وصول سفن الإصلاح بسبب الحرب أو الألغام أو القيود الأمنية.
قدمت أزمة البحر الأحمر نموذجاً قريباً لذلك، بعدما تأثرت 4 كابلات بحرية في مارس/آذار 2024، ما انعكس على جزء من حركة البيانات في المنطقة قبل إعادة توجيهها عبر مسارات بديلة.
القطاعات الأكثر تأثراً:
أي اضطراب واسع في الكابلات البحرية قد يؤدي إلى:
ارتفاع زمن الاستجابة للاتصالات والإنترنت.
زيادة كلفة السعات البديلة والتأمين والصيانة.
اضطراب الخدمات المصرفية والتداولات المالية.
تأثر مراكز البيانات والحوسبة السحابية.
إرباك الاتصالات الحكومية والخدمات الرقمية.
تعطيل بعض منصات الذكاء الاصطناعي والخدمات اللوجستية.
تعتمد اقتصادات الخليج بصورة متزايدة على التدفق المستمر للبيانات، خصوصاً مع توسع مشاريع الذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية والخدمات السحابية.
ورقة تفاوض أكثر من سلاح مباشر:
يرى مراقبون أن خطورة الملف لا تكمن فقط في احتمال استهداف الكابلات، وإنما في تحويل صيانتها وترخيصها وتأمينها إلى أدوات ضغط جيوسياسي.
فمجرد ارتفاع مخاطر المنطقة قد يرفع كلفة التأمين والصيانة ويؤثر في خطط الشركات العالمية ومشاريع مراكز البيانات والبنية الرقمية.
تزداد حساسية المشهد مع دخول مشاريع ضخمة مثل “فايبر إن غلف” و“سي مي وي-6” وامتدادات “تو أفريقيا”، التي يفترض أن تحمل جزءاً كبيراً من النمو المستقبلي للبيانات في الخليج.
شريان خفي تحت المضيق:
بينما تُعرف مياه هرمز عالمياً بوصفها ممراً حيوياً للطاقة، تكشف الكابلات البحرية وجهاً آخر للمضيق يتمثل في كونه شرياناً خفياً للبيانات يربط الخليج بالعالم.
ففي حين يمكن تتبع ناقلات النفط فوق سطح البحر، تتحرك القيمة الرقمية في الأعماق عبر ألياف ضوئية تنقل المعاملات المالية والخدمات السحابية والاتصالات الحكومية وبيانات الشركات.
لهذا، لم يعد التهديد المرتبط بهرمز مقتصراً على النفط والملاحة، وأصبح يشمل البنية الرقمية التي تقوم عليها اقتصادات الخليج الحديثة.