يشكّل نهر الليطاني واحداً من أكثر المواقع حساسية في لبنان، بسبب أهميته المائية والاقتصادية وتحوله عبر العقود إلى مساحة تتقاطع فيها أسئلة السيادة والأمن والصراع الإقليمي.
يمتد المجرى المائي على نحو 170 كيلومتراً من سهل البقاع حتى البحر الأبيض المتوسط، ما يجعله أطول نهر داخلي بالكامل داخل الأراضي اللبنانية. ورغم خضوعه نظرياً لسيادة لبنانية كاملة، فإن واقعه الميداني يكشف صورة معقدة ترتبط بضعف الإدارة وتعدد مراكز النفوذ والتأثير الأمني والسياسي.
لم يعد الليطاني مجرد مورد طبيعي أو مشروع تنموي، وأضحى مرآة تكشف طبيعة الدولة اللبنانية وحدود قدرتها على إدارة الجغرافيا والموارد والقرار الأمني.
انقسام مائي وإداري:
ينقسم الليطاني عملياً إلى حوضين رئيسيين: الحوض الأعلى في البقاع، والحوض الأدنى الممتد نحو الجنوب اللبناني.
لا يرتبط الانقسام بالجغرافيا فقط، وإنما يشمل طبيعة الإدارة ونوعية المياه والاستخدامات الزراعية والصناعية والقدرة على التحكم بالموارد.
أشار رئيس المصلحة الوطنية لنهر الليطاني سامي علوية إلى أن الحوض الأعلى أصبح منفصلاً عن الحوض الأدنى من حيث مصادر المياه وكمياتها ونوعيتها، وهو ما يوضح حجم التفاوت في الإدارة والبنية التحتية.
يكشف الواقع القائم أزمة أعمق تتعلق بعجز السلطة عن تحويل النهر إلى منظومة وطنية موحدة تخضع لإدارة متكاملة، رغم امتلاكها السيادة القانونية الكاملة عليه.
الليطاني في الحسابات الإقليمية:
دخل النهر مبكراً في الحسابات الجيوسياسية للمنطقة، خصوصاً منذ بدايات القرن العشرين، عندما اعتبرت الحركة الصهيونية مياه الليطاني جزءاً مهماً من التصورات المتعلقة بالأمن المائي الإسرائيلي.
تحول المجرى تدريجياً من مورد لبناني إلى عنصر حاضر في خرائط الصراع الإقليمي، وارتبط اسمه بمشاريع المياه والحدود والتوازنات الأمنية في شرق المتوسط.
برز الليطاني أيضاً خلال عام 1941 أثناء المعارك بين قوات الحلفاء وقوات حكومة فيشي الفرنسية الموالية لألمانيا النازية، حيث شهدت منطقة مصبه اشتباكات ضمن عملية “المصدر” التي انتهت بسيطرة الحلفاء على لبنان وسوريا.
من التنمية إلى الأمن:
بعد استقلال لبنان، حاولت الدولة تحويل الليطاني إلى ركيزة للتنمية الاقتصادية عبر مشاريع الري والطاقة الكهرومائية.
لعب المهندس إبراهيم عبد العال دوراً محورياً في تأسيس المصلحة الوطنية لنهر الليطاني خلال خمسينيات القرن الماضي، وأسهم في تثبيت حق لبنان الكامل في مياهه وسط مشاريع إقليمية لإعادة توزيع الموارد المائية.
تراجعت الوظيفة التنموية للمجرى المائي تدريجياً مع تصاعد التوترات الأمنية في الجنوب اللبناني.
دخل الليطاني بقوة في العقيدة العسكرية الإسرائيلية بعد عملية الليطاني عام 1978، حين اجتاحت إسرائيل جنوب لبنان ووصلت إلى مناطق واسعة جنوب النهر.
أصبح الليطاني منذ ذلك الوقت مرجعاً جغرافياً وعسكرياً في الحسابات الإسرائيلية المرتبطة بأمن الحدود الشمالية.
الليطاني بعد حرب 2006:
اكتسب النهر أهمية إضافية بعد حرب لبنان 2006 وصدور قرار مجلس الأمن 1701، الذي أعاد تنظيم الانتشار العسكري في الجنوب اللبناني.
تحولت المنطقة الواقعة جنوب الليطاني إلى مساحة تخضع لترتيبات أمنية معقدة تشمل انتشار الجيش اللبناني وقوات الأمم المتحدة، إلى جانب الحضور الميداني لـ حزب الله.
أصبح النهر جزءاً من معادلة الردع والأمن والمراقبة العسكرية، بعدما تجاوز دوره الطبيعي كحد جغرافي.
ارتبطت الجسور والطرق والبنى التحتية المحيطة به بالحسابات الأمنية، خصوصاً خلال فترات التصعيد بين حزب الله وإسرائيل.
سيادة غير مكتملة:
يصف باحثون ومراقبون وضع الليطاني بـ“السيادة غير المكتملة”، حيث تمتلك الدولة المورد قانونياً لكنها لا تفرض سيطرة وظيفية كاملة عليه.
تتداخل في محيط النهر ثلاثة مستويات من النفوذ:
الدولة اللبنانية بصفتها صاحبة السيادة القانونية.
حزب الله كقوة أمنية وعسكرية مؤثرة في الجنوب.
إسرائيل باعتبارها طرفاً يراقب المنطقة ضمن حساباته العسكرية والأمنية.
أنتج هذا التداخل واقعاً جغرافياً وأمنياً معقداً، تتقاطع فيه سلطة الدولة مع نفوذ القوى المحلية والإقليمية.
أزمة بيئية متفاقمة:
لا تقتصر أزمة الليطاني على السياسة والأمن، إذ يواجه واحداً من أخطر التحديات البيئية في لبنان.
تعاني مياهه من مستويات مرتفعة من التلوث الناتج عن الصرف الصحي غير المعالج، والنفايات الصناعية، والمخلفات الزراعية، إضافة إلى ضعف البنية التحتية لمحطات المعالجة.
أصبح التلوث تهديداً مباشراً للزراعة والصحة العامة والموارد المائية، خصوصاً في مناطق البقاع والجنوب.
ورغم الجهود التي تبذلها المصلحة الوطنية لنهر الليطاني لتنفيذ مشاريع المعالجة والحماية، فإن ضعف التمويل وتعقيدات الإدارة والانقسام السياسي يحدّ من فعالية تلك الخطط.
النهر بوصفه اختباراً للدولة:
يتجاوز الليطاني كونه نهراً أو ملفاً مائياً، إذ يكشف بصورة واضحة طبيعة الأزمة البنيوية التي يعيشها لبنان.
فالسؤال لم يعد متعلقاً فقط بمن يسيطر على النهر، وإنما بقدرة الدولة اللبنانية على إدارة جغرافيتها ومواردها وفرض سيادتها داخل مساحة تتعدد فيها مراكز القوة والنفوذ.
لهذا تحول الليطاني إلى نموذج مكثف لفكرة الدولة اللبنانية وحدود سيادتها، وإلى اختبار مفتوح لعلاقة الجغرافيا بالأمن والسياسة والصراع الإقليمي في لبنان المعاصر.