تتجه المواجهة في جنوب لبنان نحو مرحلة أكثر تعقيداً مع تصاعد الاشتباكات البرية واستخدام تكتيكات قتالية جديدة تجمع بين حرب العصابات والطائرات المسيّرة والهجمات المرنة.
أظهرت الهجمات التي استهدفت آليات لواء غولاني الإسرائيلي أن المعارك تتجه نحو استنزاف طويل، يعتمد فيه حزب الله على استدراج القوات الإسرائيلية إلى مناطق معقدة جغرافياً وتحويل التقدم البري إلى معركة مكلفة.
يعتمد الحزب على ما يصفه مراقبون بـ“الجغرافيا المرنة”، حيث لا يجري التمسك بالأرض وفق المفهوم التقليدي، وتُستخدم القرى والأودية والأحراج كمناطق استنزاف وكمائن متحركة.
ترافق التصعيد الإسرائيلي الواسع منذ 2 مارس/آذار مع أوامر إخلاء شملت أكثر من 100 قرية حدودية، قبل أن تتوسع لتطال نحو 14.3% من مساحة لبنان.
أدت العمليات العسكرية إلى نزوح نحو 1.2 مليون شخص من الجنوب ومناطق أخرى، وسط دمار واسع طال البنية التحتية والمنازل والطرق.
فرضت إسرائيل منطقة عسكرية تمتد على مساحة 608 كيلومترات مربعة تحت مسمى “الخط الأصفر”، في خطوة شبّهها مراقبون بالنموذج الذي اتبعته في فلسطين داخل قطاع غزة.
سجلت المواجهات أكثر من 3688 ضربة إسرائيلية استهدفت منازل وجسوراً وبنى تحتية، بينها جسور نهر الليطاني وآخر جسر للخروج من مدينة صور.
تعرضت بلدات كاملة لعمليات تسوية بالأرض باستخدام مئات الأطنان من المتفجرات، مع تضرر أو تدمير ما لا يقل عن 2154 مبنى ومنشأة مدنية.
رغم الحديث عن تفاهمات لوقف إطلاق النار، استمرت عمليات الهدم والتجريف والاشتباكات الميدانية، ما زاد المخاوف من انهيار التهدئة بالكامل.
دخل “لواء غولاني” مجدداً إلى جنوب لبنان ضمن عملية برية هدفت إلى تثبيت نقاط قرب نهر الليطاني، بدعم من أكثر من 100 غارة جوية إسرائيلية.
تحدثت تقارير إسرائيلية عن العثور على أنفاق ومخازن أسلحة ومنصات صواريخ خلال العمليات، في وقت شهدت فيه المنطقة اشتباكات مباشرة وصفت بالعنيفة.
يحمل دخول “غولاني” رمزية خاصة في الذاكرة العسكرية الإسرائيلية، إذ شارك اللواء في اجتياح لبنان عام 1982، كما خاض معارك قاسية خلال حرب يوليو/تموز 2006 وتكبد خسائر كبيرة في مواجهاته مع حزب الله.
برز في الأسابيع الأخيرة تحول واضح في طبيعة الأسلحة المستخدمة، خصوصاً مع اعتماد حزب الله على طائرات مسيّرة انتحارية من نوع FPV.
تعتمد المسيّرات على تقنية “رؤية الشخص الأول”، وتُوجّه عبر كابلات ألياف ضوئية تمنع التشويش عليها أو اعتراض إشاراتها إلكترونياً.
تبلغ كلفة الطائرة الواحدة أقل من 400 دولار، بينما تُزوّد برؤوس حربية روسية مضادة للدروع من طراز PG-7L.
تستخدم المسيّرات بكرة ألياف ضوئية يصل طولها إلى نحو 10 كيلومترات، ما يسمح بتوجيهها مباشرة نحو الأهداف دون كشفها بالرادارات التقليدية.
استلهمت التكتيكات جزءاً من التجارب القتالية في أوكرانيا، حيث لعبت الطائرات المسيّرة الرخيصة دوراً محورياً في استنزاف القوات والآليات.
يرى خبراء عسكريون أن حزب الله انتقل إلى مرحلة “الرد غير المتناظر”، عبر توظيف أسلحة منخفضة الكلفة وعالية الفعالية في مواجهة التفوق التكنولوجي الإسرائيلي.
امتد التطور أيضاً إلى استخدام وسائل دفاع جوي محمولة لمحاولة تقليص حرية الحركة الجوية الإسرائيلية فوق الجنوب اللبناني.
أقر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 3 مايو/أيار بأن المسيّرات تمثل “مشكلة حقيقية”، معلناً العمل على مشروع خاص لمواجهة هذا التهديد.
أصيب نحو 40 جندياً إسرائيلياً نتيجة هجمات الطائرات المسيّرة خلال الأسابيع الأخيرة، بحسب تقديرات وتقارير إسرائيلية.
تكمن صعوبة اعتراض المسيّرات في صغر حجمها وتحليقها المنخفض والبطيء، إضافة إلى معرفة مشغليها الدقيقة بتضاريس الجنوب اللبناني.
لجأت القوات الإسرائيلية إلى حلول ميدانية منخفضة التقنية، بينها تركيب شباك واقية على الآليات وتعديل بنادق الجنود لمحاولة إسقاط المسيّرات يدوياً.
تركز تل أبيب أيضاً على استهداف فرق تشغيل المسيّرات ميدانياً باعتبارها الوسيلة الأكثر فعالية للحد من الهجمات.
ترى مراكز أبحاث إسرائيلية أن نشر تسجيلات مصورة للهجمات خلق تأثيراً نفسياً يتجاوز الخسائر المادية، خصوصاً مع تطور دقة الاستهداف وزوايا الهجوم على المدرعات.
يعتقد محللون أن هذه التكتيكات لا تحسم المعركة عسكرياً بصورة كاملة، لكنها تفرض استنزافاً دائماً وتحوّل أي تقدم بري إلى مخاطرة مكلفة داخل جنوب لبنان.