لبنان يفتح ملف جرائم الحرب الإسرائيلية دولياً

2026.05.12 - 17:57
Facebook Share
طباعة

يعود ملف توثيق جرائم الحرب الإسرائيلية إلى واجهة المشهد اللبناني في لحظة تميل فيها الكفة العسكرية بوضوح لمصلحة إسرائيل، وتتراجع فيها قدرة لبنان على التأثير المباشر في مسار المواجهة، ليبرز بوصفه أحد المسارات القليلة المتاحة أمام الدولة اللبنانية للتحرك سياسيًا وقانونيًا.

 

برز ذلك مع إعلان وزير الإعلام اللبناني بول مرقص، نقلًا عن رئيس الحكومة نواف سلام، الاتفاق مع المفوضية السامية لحقوق الإنسان على زيارة مرتقبة إلى لبنان للتحقق من الانتهاكات الإسرائيلية، إلى جانب التحضير لعقد جلسة في مجلس حقوق الإنسان في جنيف لمتابعة الملف. كما استقبل سلام وفد لجنة المتابعة النيابية لحماية الأعيان المدنية والتدمير الممنهج، في خطوة تعكس وجود غطاء سياسي داخلي للمسار.

 

للوهلة الأولى، قد يبدو التحرك امتدادًا للمسار اللبناني التقليدي القائم على تقديم الشكاوى أمام الأمم المتحدة مع كل تصعيد إسرائيلي غير أن الظرف الحالي يمنح الملف أبعادًا مختلفة، إذ يأتي في وقت تضيق فيه خيارات الدولة بين ضغط الميدان، والانقسام الداخلي، وبرودة المواقف الدولية.

 

لا يتحرك لبنان اليوم من موقع قوة ميدانية أو إجماع سياسي متماسك، كما أنه لا يملك هامشًا واسعًا لفرض معادلات جديدة في ظل التعقيدات الإقليمية والدولية لذلك، يبدو التوجه نحو توثيق جرائم الحرب محاولة لبناء أداة ضغط بديلة، أو على الأقل موازية، في مرحلة تتقلص فيها قدرة الدولة على التأثير المباشر في مجريات الصراع، ولا يتعلق الأمر بإمكانية أن توقف وثيقة

 

قانونية الحرب بمفردها، أو أن تغيّر جلسة أممية موازين القوى سريعًا، بل بقدرة لبنان على تحويل موقع الضحية إلى ورقة ادعاء سياسي وقانوني يمكن استخدامها في المحافل الدولية، بما يمنح الدولة هامشًا إضافيًا في معركة لا تُخاض بالسلاح وحده، بل أيضًا بالرواية والتوثيق والضغط المتراكم.

 

على مدى سنوات، بقيت مشاهد الدمار واستهداف المدنيين في جنوب لبنان حاضرة في الإعلام، لكنها غالبًا انتهت بانتهاء دورة الأخبار، من دون أن تتحول إلى مسار حقوقي متكامل. أما اليوم، فيسعى لبنان إلى نقل الوقائع من خانة التغطية الإعلامية إلى سجل قانوني متراكم يهدف إلى تثبيت المسؤولية الإسرائيلية عن استهداف المدنيين والأعيان المدنية.

 

تكمن أهمية هذا المسار في أنه يشكل مساحة نادرة يمكن أن تلتقي حولها قوى سياسية لبنانية مختلفة، في بلد ينقسم بشدة حول ملفات السلاح والحرب والتفاوض والعلاقة مع الخارج. فالتوثيق ينطلق من نقطة أكثر قابلية للتوافق، تتمثل في حماية المدنيين ومنع تحويل الدمار إلى حدث عابر.

 

لكن الرهان لا يبدو سهلًا أو مضمون النتائج، إذ اعتادت إسرائيل التعامل مع الإدانات الدولية باعتبارها جزءًا من كلفة الحرب، فيما تتحرك المؤسسات الأممية غالبًا ضمن حدود التوازنات السياسية الدولية. لذلك يحتاج أيضًا إلى إدارة سياسية وقانونية وإعلامية مستمرة تضمن إبقاء الملف حاضرًا داخل المؤسسات الدولية والرأي العام العالمي.

 

ويرى متابعون أن نجاح هذا المسار يتطلب بناء قاعدة بيانات دقيقة، وتشكيل فرق قانونية متخصصة، وتنسيقًا بين الحكومة والبرلمان والبعثات الدبلوماسية والمؤسسات الحقوقية، إضافة إلى خطاب خارجي موحد قادر على مخاطبة العواصم المؤثرة بلغة القانون والمصالح معًا.

 

وفي المقابل، يحذر مراقبون من تحويل ملف جرائم الحرب إلى بديل عن المسارات السياسية الأخرى، إذ إن التوثيق وحده لا يوقف الحرب ولا يعالج أزمات الداخل اللبناني، لكنه يمنع في الحد الأدنى أن تبقى الخسائر من دون سجل رسمي، أو أن تتحول المعاناة إلى مادة إعلامية قابلة للنسيان.

 

بين اختلال الميدان وبرودة المجتمع الدولي، يحاول لبنان تحويل الوجع إلى وثيقة، والدمار إلى حجة قانونية وسياسية، في محاولة لبناء ورقة ضغط قد لا تغيّر موازين القوى فورًا، لكنها قد تمنع أيضًا سقوط الرواية اللبنانية في زحمة الحسابات الإقليمية والدولية.

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 7