أعاد الكشف عن موقع إسرائيلي سري داخل صحراء النجف فتح واحدة من أكثر القضايا الأمنية حساسية في العراق، وسط تصاعد الأسئلة بشأن حجم الاختراقات العسكرية والاستخباراتية التي رافقت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ودور الولايات المتحدة في إدارة المجال الجوي العراقي خلال تلك المرحلة.
القضية تجاوزت حدود الحديث عن “موقع عسكري مؤقت” أو “نقطة دعم لوجستي”، بعدما تحولت إلى ملف سياسي وأمني مفتوح داخل بغداد، مع اتهامات مباشرة لواشنطن بتسهيل دخول قوات إسرائيلية إلى العمق العراقي، وتوفير غطاء استخباراتي وجوي لتحركاتها في مناطق صحراوية شديدة الحساسية قرب الحدود السعودية.
وكشفت معلومات تداولتها أوساط حكومية وبرلمانية عراقية أن الموقع الإسرائيلي المزعوم أُقيم في منطقة صحراوية تبعد نحو 80 كيلومتراً عن الحدود مع السعودية، داخل تضاريس وعرة وأودية مفتوحة في بادية النجف، واستُخدم مركزاً لوجستياً خلال الأسابيع الأولى من الحرب على إيران التي اندلعت في 28 فبراير/شباط الماضي.
بحسب الروايات العراقية المتداولة، فإن الموقع لم يكن قاعدة عسكرية تقليدية واسعة، بل نقطة عمليات متقدمة ضمت قوات خاصة وفرق دعم وإنقاذ، استُخدمت لإسناد العمليات الجوية الإسرائيلية وتأمين مسارات الطيران قرب الجبهة الإيرانية.
وتشير المعلومات إلى أن القوة الإسرائيلية دخلت الأراضي العراقية عبر المجال الجوي السوري، مروراً بصحراء الأنبار، ثم عبر مناطق الهبارية والنخيب وصولاً إلى الموقع الصحراوي الذي جرى اختياره بعناية بسبب تضاريسه المعقدة وبعده عن المراكز السكانية.
وتحدثت تقديرات عراقية عن أن الموقع استُخدم أيضاً كنقطة إنقاذ للطواقم الجوية الإسرائيلية في حال إسقاط أي طائرة خلال العمليات العسكرية ضد إيران، إضافة إلى كونه مركز دعم لوجستي واستخباراتي متقدم.
جاء الكشف عن القضية بعد تقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال نقل عن مصادر أمريكية وإسرائيلية قولها إن إسرائيل أنشأت قاعدة سرية داخل العراق بعلم واشنطن، واستخدمتها خلال الحرب الأخيرة على إيران.
ووفق التقرير، فإن قوات إسرائيلية نفذت ضربات جوية ضد وحدة عراقية اقتربت من الموقع في الأيام الأولى للحرب، لمنع اكتشافه.
أكدت الرواية العراقية بالفعل وقوع اشتباك في الخامس من مارس/آذار الماضي، بعدما تحركت قوة أمنية عراقية صغيرة نحو المنطقة عقب بلاغ قدمه أحد الرعاة من قبيلة الزكاريط، تحدث فيه عن هبوط مروحيات وتحركات عسكرية مريبة داخل الصحراء.
القوة العراقية، التي كانت تقوم بمهمة استطلاع محدودة، تعرضت لهجوم جوي قبل وصولها إلى الموقع بنحو أربعة كيلومترات، ما أدى إلى مقتل جندي عراقي وإصابة اثنين آخرين.
وتشير المعلومات إلى أن المروحيات التي نفذت الهجوم كانت تتمتع بتغطية جوية كاملة، فيما لم تتلق بغداد أي رد من القوات الأمريكية رغم إرسال استفسارات عاجلة عبر مركز التنسيق المشترك مع قوات التحالف.
كما تحدثت تسريبات عراقية عن أن الحادثة صُنفت في حينها ضمن سلسلة ضربات استهدفت مواقع مرتبطة بـالحشد الشعبي خلال فترة الحرب على إيران، قبل أن تبدأ تفاصيل الموقع الإسرائيلي بالتسرب لاحقاً.
وأثارت القضية موجة غضب سياسي وشعبي داخل العراق، مع مطالبات بإجراء تحقيق شامل ومحاسبة الجهات المسؤولة عن الاختراق الأمني، إضافة إلى إعادة تقييم الوجود العسكري الأمريكي داخل البلاد.
وشهدت مواقع التواصل والإعلام المحلي خلال الأيام الماضية دعوات لـ“مكاشفة وطنية” حول حقيقة ما جرى في صحراء النجف، خصوصاً مع الاتهامات التي تتحدث عن تعطيل بعض الرادارات العراقية أثناء الحرب.
كذلك تحدث نواب وسياسيون عراقيون عن احتمال استخدام الأجواء العراقية بصورة شبه كاملة لصالح العمليات الإسرائيلية خلال الحرب على إيران، في ظل السيطرة الأمريكية على أجزاء واسعة من منظومات الرصد الجوي والتنسيق العسكري.
كما أشار خبراء أمنيون إلى أن العراق يعاني منذ سنوات من قيود كبيرة تتعلق بالحصول على أنظمة دفاع جوي متطورة وتقنيات كشف وإنذار مبكر، ما جعل أجواءه أكثر هشاشة أمام الاختراقات الخارجية.
ويرى الخبراء أن ما حدث في النجف يكشف انتقال الصراع الإقليمي من مرحلة الضربات غير المباشرة إلى مرحلة استخدام أراضٍ عربية كنقاط عمليات متقدمة في المواجهة بين إسرائيل وإيران.
تحمل القضية، وفق تقديرات أمنية، ثلاثة أبعاد رئيسية؛ أولها يتعلق بمدى قدرة إسرائيل على تنفيذ عمليات عسكرية عابرة للحدود داخل عمق دول بعيدة عن ساحات المواجهة التقليدية.
أما البعد الثاني فيرتبط بالدور الأمريكي، إذ تتصاعد داخل العراق اتهامات تتحدث عن استخدام غطاء “التحالف الدولي” لتأمين تحركات عسكرية لا علاقة لها بمهمة محاربة الإرهاب.
في حين يتمثل البعد الثالث في مستقبل السيادة العراقية، مع تصاعد المخاوف من تحول البلاد إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية وتصفية الحسابات بين القوى الكبرى.
وتتزايد أيضاً المخاوف من أن تكون بعض الضربات التي استهدفت مواقع لفصائل عراقية خلال الحرب الأخيرة قد نُفذت بطيران إسرائيلي انطلق من داخل الأراضي العراقية أو استخدم أجواءها بصورة مباشرة.
تشير تقديرات عسكرية إلى أن الموقع الصحراوي ربما لم يكن الوحيد، بل جزءاً من شبكة دعم واستخبارات وتحرك جوي امتدت عبر أكثر من منطقة صحراوية غرب العراق وجنوبه.
وفي المقابل، حاولت مؤسسات أمنية عراقية التقليل من حجم الروايات المتداولة، مؤكدة أن عمليات التفتيش الواسعة التي نُفذت خلال شهري أبريل ومايو لم تعثر على أي وجود أجنبي ثابت أو معدات عسكرية داخل المنطقة.
لكن الجدل لم يتراجع، خصوصاً مع استمرار التسريبات والتقارير الغربية التي تتحدث عن تعاون استخباراتي واسع رافق الحرب على إيران.
تداعيات القضية قد تتجاوز البعد الأمني، لتصل إلى مستقبل العلاقة بين بغداد وواشنطن، في وقت تتصاعد فيه داخل العراق دعوات لإعادة النظر بالاتفاقات العسكرية وتنظيم الوجود الأمريكي.
كما قد تدفع الحادثة القوى السياسية العراقية إلى المطالبة بتطوير أنظمة الدفاع الجوي والرصد المبكر، وتقليص الاعتماد على التنسيق العسكري الخارجي، في محاولة لمنع تكرار اختراقات مشابهة مستقبلاً.
ومع اتساع الجدل، تبقى صحراء النجف في قلب واحدة من أخطر القضايا الأمنية التي واجهها العراق منذ سنوات، وسط تساؤلات مفتوحة حول حجم ما جرى فعلياً، وما إذا كانت البلاد قد تحولت بالفعل إلى ساحة عمليات خفية في الحرب الإقليمية الكبرى.