مع اقتراب المفاوضات المرتقبة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، وبالتزامن مع تصعيد عسكري إسرائيلي واسع النطاق شمل تنفيذ أكثر من 120 غارة خلال يوم واحد، تتزايد التساؤلات حول الرسائل السياسية والميدانية التي تسعى تل أبيب إلى فرضها قبل الدخول في أي مسار تفاوضي محتمل، وحول ما إذا كان التصعيد جزءًا من إعادة رسم شروط التفاوض أو تحسين مواقع القوة على الأرض.
وفي هذا الإطار، قدّم الخبير العسكري العميد المتقاعد نضال زهوة قراءة موسعة للتطورات، معتبرًا أن ما يجري لا يقتصر على العمليات العسكرية، بل يرتبط بمحاولة التأثير على البيئة السياسية المحيطة بالمفاوضات وإعادة تشكيل توازنات الضغط بين الأطراف.
يرى زهوة أن الجيش الإسرائيلي أجرى مؤخرًا تعديلات في انتشار قواته على الجبهة الشمالية، من بينها تقليص بعض الوحدات الهجومية وإعادة توزيعها، ما يعكس، بحسب رأيه، انتقاله إلى نمط مختلف من العمليات يرتبط أكثر بإدارة الاستنزاف بدل التوسع الميداني المباشر.
ويشير إلى أن طبيعة الجغرافيا في عدد من المناطق الحدودية الجنوبية، مثل أودية الليطاني والسلوقي والحجير، ما تزال تشكل عائقًا أمام أي تقدم عسكري واسع، في ظل استمرار المواجهات وتعقيد البيئة الميدانية.
ويضيف أن محاولات التقدم في بعض المحاور واجهت مقاومة ميدانية أدت إلى خسائر في الآليات والدعم الجوي، ما دفع إلى إعادة تقييم بعض الخطط الهجومية، على حد تعبيره.
وفي البعد السياسي، يربط زهوة التصعيد العسكري الحالي بالتطورات داخل المشهد اللبناني، معتبرًا أن تغير المزاج السياسي تجاه ملف التفاوض ينعكس على طريقة التعاطي الميداني، حيث باتت بعض القوى تشدد على شروط مسبقة قبل أي مسار تفاوضي، وهو ما يراه عاملًا مؤثرًا في زيادة الضغط الإسرائيلي.
كما يشير إلى أن المواقف الإقليمية، ولا سيما من أطراف عربية وإقليمية، تلعب دورًا في إعادة تشكيل النقاش الداخلي اللبناني حول التفاوض، من خلال التأثير على اتجاهات القوى السياسية المختلفة ومواقفها من مسار التسوية.
ويرى أن أي عملية تفاوض عادة ما تسبقها مراحل تصعيد تهدف إلى تحسين شروط التفاوض وتقليص أوراق القوة لدى الطرف الآخر، معتبرًا أن هذا النمط يتكرر في أكثر من ساحة إقليمية، وليس في لبنان فقط.
وفي ما يتعلق بالواقع اللبناني الداخلي، يشير إلى وجود تباين في المواقف داخل المؤسسات السياسية حول خيار التفاوض أو التطبيع، في ظل اختلاف القراءات بين القوى السياسية حول طبيعة المرحلة المقبلة.
ويحذر من أن أي اتفاق محتمل قد يكون عرضة لإعادة التفسير أو التعديل وفق موازين القوى الدولية، ما قد ينعكس على مضمون الاتفاقات وتطبيقها على الأرض، وليس فقط على شكلها السياسي.
كما يلفت إلى أن هناك نقاشات دولية حول ترتيبات أمنية محتملة في بعض المناطق الحدودية، من بينها سيناريوهات تتعلق بالمناطق العازلة أو الترتيبات الاقتصادية، وهو ما يثير مخاوف بشأن تأثير ذلك على السكان المحليين وعلى السيادة الميدانية.
في المقابل، يوضح أن بعض القراءات العسكرية ترى أن أي معادلة أمنية مستقرة في الجنوب ترتبط بشكل أساسي بترتيبات ميدانية وتفاهمات واضحة، وليس فقط بالعمليات العسكرية المباشرة، مشيرًا إلى أن استمرار حالة الاستنزاف ينعكس على قدرة أي طرف على فرض واقع مستدام بالقوة وحدها.
ويخلص زهوة إلى أن المفاوضات المقبلة، في حال حصولها، ستبقى مرتبطة بتوازنات القوة على الأرض وبمدى قدرة الأطراف على الحفاظ على أوراق الضغط، سواء السياسية أو الميدانية، معتبرًا أن غياب التوازن الواضح يجعل نتائج أي اتفاق قابلة للتأثر بتغير الظروف الإقليمية والدولية.