الصين تدير نفوذها الخليجي بسياسة الغموض المرن

2026.05.09 - 08:33
Facebook Share
طباعة

 تسعى الصين إلى إدارة علاقاتها في منطقة الخليج وفق سياسة توازن دقيقة تجمع بين تعميق شراكاتها الاقتصادية مع دول مجلس التعاون الخليجي، والحفاظ في الوقت نفسه على علاقتها الإستراتيجية مع إيران، دون الانخراط في تحالفات مباشرة أو الاصطفاف الكامل مع أي طرف.

 

ويأتي هذا التوجه ضمن إستراتيجية أوسع تعتمدها بكين لتأمين احتياجاتها من الطاقة، وتوسيع نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي، مع تقليل المخاطر المرتبطة بالتوترات الإقليمية أو الصدامات العسكرية في الشرق الأوسط.

 

وتتعامل الصين مع الخليج وإيران باعتبارهما ركيزتين أساسيتين في حساباتها الدولية، إذ تعتمد على دول الخليج كمصدر رئيسي للطاقة والاستثمارات والأسواق، بينما تنظر إلى إيران كشريك جيوسياسي يمنحها هامش مناورة في مواجهة الضغوط الغربية والعقوبات الأمريكية.

 

وتبرز أهمية المنطقة بالنسبة لبكين بشكل خاص من خلال مضيق هرمز، الذي تمر عبره كميات ضخمة من واردات النفط والغاز المتجهة إلى الصين، ما يجعل استقرار الملاحة في الخليج أولوية حيوية للأمن الطاقوي الصيني.

 

ولهذا السبب، تحرص الصين على تبني خطاب سياسي يدعو باستمرار إلى خفض التصعيد وحماية حرية الملاحة، مع تجنب الانحياز العلني لأي طرف في الصراعات الإقليمية.

 

وفي هذا السياق، ترى الباحثة الصينية جينغ تسوي بينغ أن بكين لا تتعامل بمنطق التحالفات التقليدية القائمة على دعم طرف ضد آخر، بل تعتمد سياسة تقوم على توزيع المصالح وتعزيز الشراكات بالتوازي مع جميع الأطراف.

 

وتوضح أن الصين تعتبر دول الخليج شريكا اقتصاديا وتجاريا أساسيا، بينما تمثل إيران بالنسبة لها شريكا إستراتيجيا وسياسيا يوفر لها قدرة أكبر على المناورة في بيئة دولية معقدة.

 

وتشير الأرقام الاقتصادية إلى اتساع الحضور الصيني في الخليج بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبحت الصين الشريك التجاري الأكبر لدول مجلس التعاون الخليجي، مع نمو التبادل التجاري والاستثمارات في قطاعات الطاقة والتكنولوجيا والبنية التحتية والخدمات اللوجستية.

 

ولم تعد العلاقة مقتصرة على استيراد النفط الخام، بل تحولت إلى شبكة اقتصادية واسعة تشمل المشاريع الصناعية والتقنية وممرات التجارة المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق.

 

وفي المقابل، ترتبط الصين مع إيران باتفاق تعاون طويل الأمد يشمل مجالات الطاقة والبنية التحتية، إضافة إلى استمرار شراء النفط الإيراني رغم العقوبات الغربية، ما يمنح طهران متنفسا اقتصاديا مهما.

 

لكن هذا التقارب لا يعني استعداد بكين للدخول في تحالف كامل مع إيران، إذ تتعامل الشركات الصينية بحذر مع السوق الإيرانية خشية التعرض للعقوبات الأمريكية، كما أن تنفيذ العديد من المشاريع المشتركة يتم بوتيرة بطيئة ومدروسة.

 

ويرى أستاذ العلاقات الدولية جانغ يون أن الصين تنظر إلى إيران ودول الخليج باعتبارهما عنصرين أساسيين لا يمكن الاستغناء عنهما في الشرق الأوسط، ولذلك تدفع نحو معالجة الخلافات عبر الحوار السياسي وليس من خلال المواجهات العسكرية أو العقوبات.

 

ويعتمد هذا النهج على ما يصفه بعض الباحثين بسياسة "الغموض المتعمد"، حيث تبني الصين علاقات متوازية مع مختلف الأطراف، بما يسمح لها بالحفاظ على مرونة سياسية واقتصادية دون تحمل أعباء الصراعات المباشرة.

 

كما تستفيد بكين من هذا التوازن لتوسيع نفوذها الإقليمي عبر الوساطة السياسية، كما حدث في الاتفاق السعودي الإيراني عام 2023، مع استمرار اعتمادها على البيئة الأمنية التي توفرها الولايات المتحدة في المنطقة دون أن تتحمل تكاليف الهيمنة العسكرية.

 

وتقوم الإستراتيجية الصينية في الخليج على الفصل بين الاقتصاد والأمن، بحيث تركز على الاستثمارات والتجارة والتكنولوجيا، بينما تتجنب التورط المباشر في النزاعات أو إنشاء تحالفات عسكرية ملزمة.

 

ويرى مراقبون أن هذا النهج يمنح الصين قدرة على الحفاظ على مصالحها مع جميع الأطراف، خاصة في ظل استمرار التوترات الإقليمية وتغير موازين القوى الدولية.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 10