عادت قضية التمويل الليبي المشتبه به لحملة الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي إلى الواجهة القضائية والسياسية في فرنسا، بعدما تقدمت ليبيا بطلب تعويضات مالية تصل إلى 10 ملايين يورو ضد ساركوزي وخمسة متهمين آخرين، على خلفية الاتهامات المرتبطة بتمويل حملته الرئاسية عام 2007 بأموال ليبية.
تنظر محكمة الاستئناف الفرنسية حالياً في الملف الذي يُعد من أكثر قضايا الفساد السياسي والتمويل الأجنبي حساسية في فرنسا، بسبب تشعبه وارتباطه بشخصيات سياسية وأمنية بارزة من باريس وطرابلس.
خلال جلسات المحاكمة، طالبت المحامية كارول سبورت، الموكلة عن السلطات الليبية، بمنح ليبيا أكثر من 4.99 مليون يورو تعويضاً عن الأضرار المادية، إضافة إلى 5 ملايين يورو عن الأضرار المعنوية.
وربطت المحامية هذه المطالبات بما وصفته باستخدام أموال عامة ليبية في تمويل حملة انتخابية خارج البلاد، رغم الظروف السياسية والاقتصادية التي عاشها الشعب الليبي خلال حكم الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي.
يستند الملف إلى تحويلين ماليين جرى تنفيذهما في يناير/كانون الثاني ونوفمبر/تشرين الثاني 2006 من وزارة المالية وأجهزة الاستخبارات الليبية إلى حساب الوسيط الفرنسي اللبناني زياد تقي الدين.
يعتبر الادعاء الفرنسي أن هذه الأموال كانت جزءاً من ترتيبات سرية هدفت إلى دعم حملة ساركوزي الانتخابية قبل وصوله إلى قصر الإليزيه.
كما ترى السلطات الليبية أن الضرر المادي تمثل في فقدان أموال عامة جرى تحويلها خارج البلاد بصورة غير مشروعة، بينما ارتبط الضرر المعنوي بصورة الدولة الليبية والشعب الليبي.
ويُعد زياد تقي الدين من أبرز الأسماء المحورية في القضية، بعدما لعب دور الوسيط بين مسؤولين ليبيين وشخصيات سياسية فرنسية، وارتبط اسمه بعدد من الملفات المتعلقة بالعلاقات بين باريس وطرابلس خلال سنوات حكم القذافي.
سبق لمحكمة الجنايات الفرنسية أن أدانت ساركوزي بتهم تتعلق بتشكيل “عصابة إجرامية” في القضية نفسها، وقضت بسجنه خمس سنوات مع النفاذ.
وقضى الرئيس الفرنسي السابق نحو 20 يوماً في السجن قبل الإفراج عنه تحت الرقابة القضائية، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والإعلامية الفرنسية.
في المقابل، يواصل ساركوزي رفض الاتهامات، مؤكداً عدم وجود أي تمويل ليبي غير قانوني لحملته الرئاسية.
كما يتمسك فريق الدفاع عنه بعدم وجود أدلة مالية مباشرة تثبت وصول أموال ليبية إلى الحسابات الرسمية للحملة الانتخابية.
ولا يقتصر الملف على ساركوزي وحده، بل يشمل أيضاً وزير الداخلية الفرنسي السابق بريس أورتفو، ووزير الإليزيه الأسبق كلود غيان.
كذلك تضم قائمة المتهمين مدير مكتب القذافي السابق بشير صالح، الذي يُعتقد أنه لعب دوراً أساسياً في ترتيبات التحويلات المالية.
يشمل الملف أيضاً الوسيط ألكسندر جوهري، إضافة إلى معاون ساركوزي السابق تييري غوبير، المقرب من زياد تقي الدين.
تحظى القضية بمتابعة سياسية وإعلامية واسعة داخل فرنسا، لأنها تتعلق باتهامات تمس رئيساً فرنسياً سابقاً وتثير تساؤلات حول طبيعة العلاقات التي جمعت باريس بالنظام الليبي السابق.
كما أعاد الملف إلى الواجهة تفاصيل التعاون السياسي والأمني والاقتصادي بين فرنسا وليبيا قبل سقوط نظام القذافي عام 2011، خصوصاً في مجالات السلاح والطاقة والتنسيق الاستخباراتي.
يرى مراقبون أن استمرار المحاكمة قد يفتح الباب أمام تطورات قضائية جديدة، خاصة مع اتساع دائرة الاتهامات وحساسية الشخصيات المتورطة في القضية.
تعكس هذه التطورات أيضاً تصاعد الضغوط داخل فرنسا لتعزيز الشفافية ومحاسبة المسؤولين السابقين في ملفات التمويل السياسي والفساد، مهما كانت مواقعهم السياسية أو الأمنية السابقة.