في قراءة للمشهد السياسي الراهن، يتبيّن أن الهامش الدبلوماسي أمام لبنان يضيق بشكل متسارع إزاء خيار التفاوض المباشر مع إسرائيل، تحت وطأة ضغوط أمريكية متزايدة من جهة، وتصعيد عسكري إسرائيلي مستمر من جهة أخرى، وسط مخاوف داخلية من انزلاق الأوضاع نحو توتر أهلي.
ومع اقتراب موعد الاجتماع الثالث المرتقب في واشنطن، لا يزال القرار اللبناني بالانخراط الكامل في المسار الذي ترعاه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب غائباً، نتيجة حسابات داخلية دقيقة وخطوط حمراء تتصل بالسيادة والاستقرار، وتحدّ من تقديم أي تنازلات.
في موازاة ذلك، تبدو آفاق الحل غامضة، لا سيما مع استمرار ما يُوصف بـ"الهدنة الشكلية" التي يُتوقع انتهاؤها خلال عشرة أيام، فيما تطرح واشنطن خيارين أساسيين: إما الانخراط في مفاوضات مباشرة عبر لقاء يجمع رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، أو ترك لبنان في مواجهة مفتوحة مع إسرائيل التي واصلت عملياتها العسكرية رغم وقف إطلاق النار.
وعلى وقع الطروحات الأمريكية، ومع غياب توافق لبناني داخلي حول مقاربة هذا المسار، برزت تحركات دبلوماسية عربية وفرنسية تهدف إلى كبح اندفاعة ترامب نحو فرض لقاء مباشر في البيت الأبيض، والعمل على بلورة صيغة تفاوضية بديلة لا تتطلب هذا النوع من اللقاءات الحساسة.
بالتوازي، تنشط الاتصالات الداخلية بين الرئاسات اللبنانية في محاولة لاحتواء الانقسام الحاد، والحفاظ على الحد الأدنى من التماسك السياسي، في ظل تباين واضح بين القوى حول الخيارات المطروحة، سواء الدبلوماسية أو العسكرية.
وحتى الآن، لم يُحدد أي موعد رسمي لزيارة رئيس الجمهورية إلى واشنطن أو لعقد لقاء مع نتنياهو، كما لم تُبدِ الإدارة الأمريكية موافقة على تأجيل أي لقاء مباشر إلى ما بعد المفاوضات.
في السياق ذاته، لا تزال مسألة التوافق بين الرئاسات الثلاث حول مبدأ التفاوض المباشر مع إسرائيل موضع التباس، خصوصاً على مستوى العلاقة بين الرئيس جوزف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، رغم استمرار قنوات التواصل بينهما.
وفي هذا الإطار، وصف عضو كتلة "التحرير والتنمية" الدكتور قاسم هاشم العلاقة بين عون وبري بأنها "عادية"، مؤكداً أن "قنوات الاتصال قائمة عند الحاجة كما في السابق". ورداً على الحديث عن فتور في العلاقة، دعا هاشم "بعض الغيارى والنافخين دائماً في روحية التوتر السياسي، ليبنوا عليها أحلامهم ومكاسبهم للمستقبل، أن يطمئنوا".
كما كشف هاشم عن غياب أي معطيات جديدة تتعلق بالاجتماع الثالث في واشنطن، مشيراً إلى أن موعده لم يُحدد بعد، وأنه لم يتم الاتفاق حتى الآن على الإطار أو العنوان الذي سيُعقد تحته، خاصة أن الاجتماعين السابقين لم يحققا نتائج ملموسة، باستثناء "الصورة التي سعى إليها وأرادها العدو الإسرائيلي".
وأضاف أن كل ما يتم تداوله بشأن هذه الاجتماعات لا يتجاوز "الكلام الإعلامي دون أي مؤشرات ثابتة".
ورغم ذلك، لا يمكن تجاهل إصرار إدارة ترامب على الدفع نحو مفاوضات، ولو غير مباشرة، مع التشديد على ضرورة عقد لقاء بين عون ونتنياهو في واشنطن، وهو ما أكده ترامب في أكثر من مناسبة، وتكرر في تصريحات السفير الأمريكي وبيانات السفارة في بيروت.
في المقابل، أشار هاشم إلى أن رئيس الجمهورية لا يُبدي استعجالاً لزيارة واشنطن، قائلاً إن هذا الموقف "ينقله عنه كثيرون"، مضيفاً أن واشنطن تسعى إلى "الاستثمار الخارجي" في هذه الزيارة، لكنها "قد لا تكون مناسبة في توقيتها الداخلي".
وحول سيناريو المرحلة المقبلة في حال فشل المساعي الدبلوماسية، اعتبر هاشم أن "الدبلوماسية حتى الآن لم تحقق أي نتائج تُبنى عليها توقعات"، لافتاً إلى أن لبنان "لم يجنِ أي مكاسب منذ القرار 425 حتى اليوم".
واستناداً إلى هذه المعطيات، رأى هاشم أن الحديث عن احتمال عودة الحرب يفترض أولاً التأكد مما إذا كانت قد توقفت فعلاً، مؤكداً أن "العدوان مستمر ويتصاعد يومياً في الجنوب"، وأنه "لا يمكن الحديث عن وقف إطلاق نار في ظل سقوط الشهداء واتساع رقعة الدمار، حيث لم يوفّر العدو الأرض ولا الشجر من التجريف والتخريب". وختم بالقول: "إذا وسّع العدو عدوانه، فإن ذلك يعني ببساطة توسيع نطاق العدوان القائم أساساً".