تعقيدات الملكية تعرقل معالجة الركام في سوريا

2026.05.06 - 09:38
Facebook Share
طباعة

 تواجه سوريا مرحلة إعادة بناء واسعة تطال البنية الخدمية والإدارية، في ظل تراكمات كبيرة خلفتها سنوات الحرب وما رافقها من تدمير واسع في البنية التحتية. وفي هذا السياق، تبرز وزارة الإدارة المحلية والبيئة كجهة محورية في إدارة ملفات مترابطة تشمل الركام والنفايات والملكية، إلى جانب محاولة إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

 

ويشير مسؤولون في الوزارة إلى أن هذه الملفات لا يمكن التعامل معها بشكل منفصل، بل ترتبط ببعضها ضمن مسار واحد يتعلق بإعادة تنظيم المدن واستعادة الخدمات العامة، في وقت تواجه فيه الحكومة تحديات تتعلق بالإمكانات المحدودة وتعقيدات الواقع القانوني والاجتماعي.

 

في ملف الركام، تتعامل الوزارة مع هذا الملف بوصفه قضية مرتبطة بالملكية الخاصة وليس مجرد مسألة فنية أو خدمية. ويؤكد مسؤولوها أن الركام يعد جزءاً من ملكية العقارات المتضررة، ولا يمكن التدخل فيه أو نقله دون سند قانوني يحدد الجهة المالكة بشكل واضح.

 

ويؤدي غياب أصحاب الملكيات، نتيجة التهجير أو فقدان الوثائق، إلى تأخير عمليات إزالة الركام في عدد من المناطق. وتعتمد الجهات المختصة على السجلات العقارية الرسمية، وفي الحالات المعقدة يتم اللجوء إلى لجان قانونية ومعايير إضافية لإثبات الحقوق. وتشير بيانات رسمية إلى توثيق نسبة كبيرة من ملكيات بعض المناطق مثل داريا عبر آليات تحقق ميدانية وشهادات محلية.

 

وترى الوزارة أن وضوح الوضع القانوني للعقارات يشكل شرطاً أساسياً أمام أي عملية استثمار أو إعادة تأهيل، لأن غياب الحسم القانوني يعيق دخول الشركات ويؤخر تنفيذ المشاريع.

 

وفي مثال على تعقيد هذا الملف، يشير مسؤولون إلى حي القابون في دمشق، حيث فقد الركام قيمته الاقتصادية نتيجة إزالة المواد المعدنية منه في وقت سابق، ما جعل إعادة تدويره غير مجدية من الناحية الاستثمارية، ودفع الدولة إلى تحمل كلفة الإزالة بشكل مباشر.

 

ويتم التفريق بين عمليتي ترحيل الركام وإعادة تدويره، حيث تتولى جهات حكومية عمليات الترحيل، بينما تطرح إعادة التدوير كمجال استثماري مفتوح أمام شركات محلية وإقليمية ضمن شروط محددة. إلا أن وجود مخلفات الحرب والألغام يزيد من تعقيد العمل، ويتطلب تنسيقاً بين عدة جهات حكومية.

 

على صعيد الاستثمار، تشير التقديرات إلى وجود اهتمام من شركات أجنبية بالدخول إلى السوق السورية في مجال إدارة الركام وإعادة التدوير، لكن التنفيذ الفعلي ما يزال محدوداً. وتضع الوزارة شروطاً تتعلق بالملاءة المالية والخبرة، إلى جانب اشتراط قبول المجتمعات المحلية في المناطق المستهدفة.

 

ورغم توقيع تفاهمات أولية مع شركات من دول مختلفة، إلا أن عدداً من المشاريع لم يصل إلى مرحلة التنفيذ بسبب اعتراضات محلية أو تعقيدات مرتبطة بالملكية. وتؤكد الوزارة أنها تعتمد مبدأ توزيع المشاريع لتقليل المخاطر وعدم حصرها بجهة واحدة.

 

وتظهر إشكالية الملكية مجدداً في ملفات التعويض وإعادة الإعمار، حيث يطالب بعض السكان العائدين بحقوق أوسع من تلك التي تسمح بها المعايير التنظيمية الجديدة، في حين تؤكد الجهات المعنية أن التعويض يخضع لضوابط تتعلق بمساحة العقار والتنظيم العمراني ونسب البناء.

 

وفي ملف النفايات، تصف الوزارة هذا القطاع بأنه من أكثر الملفات إلحاحاً بسبب تأثيره المباشر على الصحة العامة والحياة اليومية. ويعود تفاقم الأزمة إلى زيادة عدد السكان العائدين وتحسن الاستهلاك، مقابل ضعف تطور البنية الخدمية بالمستوى نفسه.

 

وتعاني البلديات من نقص في المعدات وتقادم أساطيل النظافة، ما يحد من قدرتها على الاستجابة الفعالة، رغم محاولات دعمها بآليات جديدة وزيادة الكوادر البشرية.

 

ومن التحديات البارزة في هذا الملف ظاهرة جمع النفايات من قبل أفراد يعملون ضمن اقتصاد غير رسمي، حيث يتم استخراج المواد القابلة لإعادة التدوير قبل وصولها إلى مراكز المعالجة، ما يؤدي إلى انتشار النفايات في الشوارع وتقليل كفاءة عمليات الفرز.

 

وتؤثر هذه الظاهرة أيضاً على جدوى الاستثمار في قطاع إعادة التدوير، إذ تفقد المواد القابلة للبيع جزءاً كبيراً من قيمتها قبل وصولها إلى المعامل، ما يقلل من جاذبية القطاع للمستثمرين.

 

وفي ما يتعلق بإعادة التدوير، تشير الوزارة إلى أنها تطلع على تجارب دولية في هذا المجال، لكنها تؤكد أن تطبيقها يتطلب تكييفاً مع الواقع المحلي من حيث البنية التحتية والطاقة والإدارة. كما يتم العمل على مشاريع نموذجية محلية تهدف إلى تطوير حلول قابلة للتعميم في حال نجاحها.

 

أما على مستوى الإدارة المحلية، فتعمل الحكومة على إصلاحات تشريعية تشمل تعديل قوانين الإدارة المحلية والنظافة، وتعزيز الاستقلال المالي للبلديات، بهدف تحسين قدرتها على تقديم الخدمات. ويجري التوجه نحو منح البلديات صلاحيات أوسع في إدارة الموارد والإيرادات.

 

وتشير التقييمات إلى أن البلديات فقدت جزءاً كبيراً من دورها الخدمي خلال السنوات السابقة، وتسعى الحكومة حالياً إلى إعادة بناء هذا الدور بشكل تدريجي ضمن رؤية لإعادة تنظيم الإدارة المحلية.

 

وتبقى أزمة الثقة بين المواطن والدولة من أبرز التحديات التي تؤثر على مختلف الملفات، حيث تؤدي في بعض الحالات إلى تعطيل مشاريع خدمية أو استثمارية بسبب اعتراضات مجتمعية مرتبطة بتجارب سابقة.

وفي هذا الإطار، تؤكد الجهات الحكومية أنها تعتمد مبدأ إشراك السكان في المشاريع التنموية، وتأجيل أو تعديل أي مشروع يواجه رفضاً مجتمعياً، بهدف تقليل التوتر وتحقيق توازن بين التخطيط العمراني وحقوق السكان.

وتخلص التقديرات إلى أن نجاح مسار إعادة الإعمار مرتبط بقدرة الدولة على إدارة التوازن بين الجوانب القانونية والاقتصادية والاجتماعية، ضمن عملية تدريجية طويلة تهدف إلى استعادة الخدمات وبناء الثقة بشكل متدرج.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 10