على حافة الهاوية: هرمز يشعل صراعاً بلا نهاية

2026.05.05 - 19:20
Facebook Share
طباعة

تقف منطقة مضيق هرمز عند مستوى غير مسبوق من التوتر، في ظل مواجهة مفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران، لا تُدار بمنطق الحسم العسكري التقليدي، وفق معادلة تقوم على الضغط المتدرج وإطالة أمد الصراع ورفع الكلفة على جميع الأطراف.

 

المشهد لا يتجه نحو انفجار شامل ولا نحو تهدئة كاملة، بل يستقر في منطقة وسطى تُدار فيها المواجهة بحذر، حيث يتقدم الاستنزاف السياسي والاقتصادي على حساب الضربات المباشرة، مع إبقاء العمليات العسكرية ضمن حدود تمنع الانزلاق إلى حرب واسعة.

 

ضمن المعادلة، يكتسب مضيق هرمز وزناً استثنائياً، إذ يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز يومياً، ما يجعله نقطة ارتكاز في حسابات الطاقة العالمية. أي اضطراب محدود فيه يكفي لرفع الأسعار، وزيادة تكاليف التأمين، وإعادة توجيه مسارات الشحن.

 

تتجه طهران إلى توظيف المضيق كأداة ضغط مستمرة بدلاً من تعطيله الكامل. إبقاء الممر في حالة توتر دائم يحقق أثراً واسعاً عبر خلق حالة عدم يقين تضرب الأسواق دون إغلاق فعلي يضر بمصالحها أيضاً.

 

يظهر هذا الفهم في التصعيد الأخير في مياه الخليج، حيث جرى استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد أهداف بحرية، إلى جانب استهداف ناقلات وتطويق زوارق، في سياق رد على عمليات أميركية لتأمين الملاحة. التحركات بقيت محسوبة، لكنها حملت رسائل مباشرة حول القدرة على التحكم بمستوى التوتر.

 

عززت واشنطن وجودها البحري عبر نشر مدمرات ومرافقة السفن التجارية، في خطوة تؤكد التمسك بحرية الملاحة ومنع فرض واقع جديد في الممر الحيوي. التوازن هنا لا يقوم على الهدوء، بل على ضبط الإيقاع بين الردع وتفادي التصعيد الكبير.

 

يتداخل التحرك العسكري مع الخطاب السياسي؛ إيران خففت من التهديد المباشر بإغلاق المضيق، وانتقلت إلى لغة أكثر براغماتية تركز على النفوذ و”الحقوق”، بينما تعتمد الولايات المتحدة نهجاً يقوم على الصبر الاستراتيجي مع الحفاظ على الجاهزية.

 

في هذا السياق، يبرز منطق “رفع الكلفة” كعنوان رئيسي للصراع؛ كل طرف يسعى إلى جعل استمرار المواجهة عبئاً على الآخر دون السعي إلى حسم سريع، ما يوسع نطاق الخسائر ليشمل الاقتصاد العالمي.

 

المؤشرات الاقتصادية تعزز الصورة؛ إذ لامست أسعار النفط 120 دولاراً للبرميل في بعض الفترات، وارتفعت تكاليف التأمين البحري بشكل حاد، فيما تباطأت حركة الشحن وازدادت كلفة النقل، ما وسّع نطاق التأثير.

 

على المستوى العسكري، تعتمد إيران على توظيف الجغرافيا، حيث يغطي مدى نيرانها الخليج العربي ومضيق هرمز وخليج عمان، ما يمنحها قدرة على تهديد الملاحة دون مواجهة مباشرة. في المقابل، تستند الولايات المتحدة إلى شبكة قواعد عسكرية وتفوق بحري وتكنولوجي يتيح حماية خطوط الإمداد ومراقبة التحركات.

 

يتصل التحدي الأكبر بتغير مفهوم الأمن في الخليج؛ المعادلات التقليدية القائمة على الردع لم تعد كافية، في ظل بيئة متحركة تتطلب إدارة يومية للمخاطر بدلاً من الاعتماد على ثوابت مستقرة.

 

ضمن هذا الإطار، طرحت إيران مقاربة مختلفة لإدارة المضيق، تقوم على فرض قيود على العبور دون تنسيق، والتمييز بين “حق المرور العابر” و“المرور البريء”، ما يمنحها هامشاً أوسع للتحكم في حركة السفن، ويثير تساؤلات قانونية وسياسية.

 

بالتوازي، يظهر تباين داخلي في إيران بين اتجاه يرفض التفاوض وآخر يرى في الدبلوماسية امتداداً للأدوات الحالية، وهو ما ينعكس على طبيعة الخطاب الخارجي وتغير نبرته.

 

المشهد العام يتجه نحو استمرار التوتر ضمن حدود محسوبة، دون مؤشرات على حسم قريب، مع بقاء المنافسة مفتوحة حول القدرة على تحمّل الكلفة وفرض شروط المرحلة المقبلة.

 

 

الخلاصة أن الصراع تجاوز المواجهة العسكرية المباشرة، وأصبح معركة نفوذ وإدارة أزمات، فيما يرتبط أي مسار تهدئة بإمكانية تحقيق اختراق سياسي قادر على كبح التصعيد وإعادة التوازن.
 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 8