سحب القوات الأميركية من ألمانيا.. إلى أين يتجه الانتشار الأوروبي؟

2026.05.02 - 08:54
Facebook Share
طباعة

يتجه النقاش داخل الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين نحو إعادة رسم خريطة الانتشار العسكري في القارة، مع تصاعد الخلافات داخل حلف شمال الأطلسي بشأن تقاسم الأعباء الدفاعية وتباين المواقف حيال الحرب في إيران. التطورات الأخيرة ترافقت مع خطوات عملية أعلنتها إدارة دونالد ترامب، ما فتح باب التساؤلات حول مستقبل القواعد الأميركية في أوروبا.

 

أعلنت وزارة الدفاع الأميركية سحب 5000 جندي من ألمانيا، في قرار يُنتظر تنفيذه خلال فترة تتراوح بين 6 و12 شهراً، وفق ما أكده المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل. التحرك جاء بعد توتر سياسي بين ترامب والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، على خلفية انتقادات ألمانية لمسار التفاوض مع طهران وتقييم الحرب.

 

تحتضن ألمانيا بين 35 ألفاً و40 ألف جندي أميركي، وتوفر أراضي للقواعد دون مقابل، إضافة إلى دعم لوجستي محلي واسع. من داخلها يدير البنتاغون القيادة الأوروبية والقيادة الأفريقية، إلى جانب أكبر مستشفى عسكري أميركي خارج الأراضي الأميركية، ما يمنح برلين موقعاً محورياً في شبكة الانتشار العسكري الأميركي.

 

تشير تقديرات وزارة الدفاع إلى وجود نحو 68 ألف جندي أميركي في أوروبا حتى نهاية عام 2025، من بينهم حوالي 36 ألفاً و400 في ألمانيا وحدها. هذا التركيز يبرز أهمية الجغرافيا الألمانية كنقطة انطلاق للعمليات العسكرية في عدة مناطق، من بينها العراق وأفغانستان، إضافة إلى مهام مرتبطة بالشرق الأوسط.

 

المعطيات تظهر أن القرار لا يقتصر على ألمانيا. في إسبانيا، يتمركز نحو 3800 جندي أميركي في قاعدتي روتا البحرية ومورون الجوية بإقليم الأندلس. تُعد روتا مركزاً رئيسياً للأسطول السادس، بينما تمثل مورون قاعدة انطلاق للقوات الجوية ومشاة البحرية نحو أوروبا وأفريقيا. في إيطاليا، ينتشر نحو 13 ألف جندي في 7 قواعد بحرية، مع دور عملياتي مهم في البحر المتوسط.

 

شهدت إيطاليا تطوراً لافتاً في أواخر مارس/آذار، حين رفضت استخدام قاعدة "سيجونيلا" لعبور طائرات عسكرية متجهة إلى الشرق الأوسط، استناداً إلى اتفاقيات تعود إلى خمسينيات القرن الماضي تحدد استخدام القواعد لأغراض لوجستية وتدريبية. الموقف يعكس حساسية سياسية وقانونية في العلاقة العسكرية بين واشنطن وبعض العواصم الأوروبية.

 

التحرك الأميركي تزامن مع توجه لإعادة توزيع القوات نحو مناطق أخرى، خصوصاً المحيطين الهندي والهادئ ونصف الكرة الغربي، وفق ما نقلته تقارير إعلامية عن مسؤولين في البنتاغون. الأولويات الجديدة ترتبط بتصاعد المنافسة الدولية، ما يدفع واشنطن لإعادة تقييم انتشارها العالمي.

 

السياسة المطروحة تواجه تساؤلات داخل المؤسسات الأميركية، في ظل مراجعات عسكرية سابقة لم توصِ بسحب واسع من أوروبا. القواعد المنتشرة في القارة تمثل منصات لوجستية أساسية وتتيح سرعة التحرك نحو عدة مسارح عمليات، وأي تقليص كبير قد يحد من هذه القدرة ويؤثر على جاهزية القوات.

 

يرى خبراء عسكريون أن خفض الوجود الأميركي قد يؤدي إلى تداعيات أمنية، منها تراجع مستوى الردع في مواجهة روسيا، وارتفاع مستوى القلق لدى دول شرق أوروبا مثل بولندا ودول البلطيق، إضافة إلى اهتزاز الثقة داخل الناتو.

 

تترافق المخاطر مع تحديات لوجستية واقتصادية، تشمل نقل القوات وعائلاتهم والمعدات العسكرية. حذّر محلل ميزانية الدفاع في معهد أمريكان إنتربرايز تود هاريسون من الكلفة المرتفعة، إلى جانب صعوبات تتعلق بتوفير البنية التحتية في مواقع جديدة.
في المقابل، تعمل الدول الأوروبية على تعزيز قدراتها الدفاعية. بلغ إجمالي الإنفاق العسكري لدول الناتو الأوروبية 559 مليار دولار في عام 2025، مع وصول 22 دولة إلى نسبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي على الأقل، وفق بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، وهو أعلى مستوى منذ عام 1953.

 

تطرح مراكز بحثية، من بينها المعهد الأوروبي للعلاقات الخارجية، تصوراً لبناء منظومة دفاعية أوروبية متكاملة تجمع بين الجيوش والصناعات العسكرية والدعم السياسي، مع التركيز على الجاهزية السريعة وتوحيد الإنفاق، وهو مسار يحتاج إلى ما لا يقل عن 10 سنوات.

 

يشير المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية إلى أن أوروبا قادرة نظرياً على الاعتماد على نفسها، إلا أن تحقيق ذلك يتطلب استثمارات ضخمة لسد فجوات في الدفاع الجوي والنقل العسكري والاستخبارات، وهي نقاط ما تزال محل نقاش بين الدول الأعضاء.

 

على المستوى القانوني، تواجه أي خطة لتقليص الوجود العسكري الأميركي قيوداً داخلية، إذ أقر الكونغرس تشريعات تمنع خفض عدد القوات في أوروبا إلى أقل من 76 ألف جندي لفترة تتجاوز 45 يوماً، كما يحظر قانون صدر عام 2024 انسحاب الولايات المتحدة من الناتو دون موافقة ثلثي مجلس الشيوخ أو تمرير تشريع خاص.

 

تؤكد القيود أهمية القواعد في أوروبا كجزء من منظومة النفوذ العسكري العالمي، حيث يتيح الوجود في ألمانيا وصولاً سريعاً إلى ثلاث قارات ويعزز مرونة التحرك في الأزمات.

 

كشفت المؤشرات إلى أن مسار إعادة الانتشار الأميركي في أوروبا يرتبط بعوامل سياسية وعسكرية واقتصادية متداخلة، في وقت تتجه فيه القارة إلى تعزيز استقلالها الدفاعي تدريجياً، مع استمرار الاعتماد على المظلة الأمنية الأميركية في المدى المنظور.
 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 3