أعاد تفجير نفق القنطرة في جنوب لبنان تسليط الضوء على شبكة الأنفاق التي طورها حزب الله خلال السنوات الماضية، بوصفها ركيزة أساسية في بنية المواجهة مع إسرائيل. ويبرز الحدث انتقال الاشتباك من سطح الأرض إلى عمقها، حيث تتشكل معادلة عسكرية مختلفة تقوم على الإخفاء والمناورة.
يمثل نفق القنطرة نموذجًا لبنية محصّنة صُممت لتحمل الضربات الجوية والقصف المدفعي، مستفيدة من عمق مدروس ومواد تدعيم تقلل تأثير الانفجارات وقد عكست شدة التفجير حجم التعقيد الهندسي الذي يميز هذه المنشآت، وقدرتها على امتصاص الصدمات مقارنة بالتحصينات التقليدية.
يعود استخدام الممرات الأرضية إلى حقب تاريخية بعيدة، غير أن توظيفها في السياق اللبناني أخذ منحى أكثر تنظيماً بعد عام 2000، مع انسحاب القوات الإسرائيلية من الجنوب وتراجع الاشتباك المباشر. منذ ذلك الحين، اتجهت المواجهة نحو أدوات ردع غير تقليدية، كان العمل تحت الأرض أحد أبرز عناصرها.
تسارع تطوير هذه الشبكات عقب حرب تموز 2006، مع تكريس التفوق الجوي الإسرائيلي واعتماد الطائرات المسيّرة في المراقبة والاستهداف دفع ذلك إلى تعزيز البنية التحتية المخفية، بما يتيح تقليص أثر الرصد المستمر وتوفير بيئة حركة آمنة بعيدًا عن أعين الاستطلاع.
تؤدي الأنفاق وظائف متعددة، تشمل نقل المقاتلين والعتاد، تخزين الأسلحة والمؤن، وربط مواقع ميدانية ضمن شبكة مترابطة كما تمنح القدرة على تنفيذ هجمات مباغتة، من خلال الظهور المفاجئ في نقاط غير متوقعة، ما يربك الحسابات العملياتية للخصم.
تعتمد عملية إنشائها على مراحل دقيقة تبدأ بالحفر، تليها تدعيم الجدران بالخرسانة أو المعادن، ثم تجهيز الممرات بأنظمة تهوية تمنع الاختناق، إضافة إلى تمديدات كهربائية ووسائل اتصال، يُراعى توزيع مخارج متعددة مع تمويه المداخل لتقليل احتمالات الكشف، في إطار منظومة مصممة للاستمرارية في ظروف قتال قاسية.
تشير تقديرات عسكرية إلى امتداد هذه الشبكات في مناطق من الجنوب والبقاع، مع تصميم يسمح بتحمل ضغط القصف الشديد. العمق الكبير يقلل من تأثير موجات الانفجار، ما يجعل استهدافها يتطلب تقنيات متقدمة وقدرات استخبارية دقيقة.
في المقابل، كثفت إسرائيل جهودها لكشف هذه المنشآت وتدميرها، ضمن مسار يمكن وصفه بحرب تحت الأرض. وتستند في ذلك إلى خبرة سابقة اكتسبتها خلال عملياتها في قطاع غزة، حيث شكّلت الأنفاق تحدياً معقداً استنزف قدراتها العسكرية لفترات طويلة.
المواجهة الحالية تعكس تطوراً في طبيعة الصراع، حيث تتداخل التكنولوجيا المتقدمة مع أساليب التمويه والعمل السري، ما يفرض بيئة قتالية أكثر تعقيدًا. لم تعد السيطرة الجوية كافية لحسم المعركة، في ظل وجود بنية موازية تحت الأرض قادرة على امتصاص الضربات وإعادة تنظيم الصفوف.
في المحصلة، تمثل الأنفاق عنصر قوة يمنح حزب الله مرونة عملياتية وحماية نسبية، في حين تسعى إسرائيل إلى تحييد هذا العامل عبر أدوات كشف واستهداف متطورة، ضمن سباق مستمر بين الإخفاء والرصد يعيد رسم ملامح المواجهة في المنطقة.