كيف انتقلت باكستان من العزلة إلى قلب الوساطة الدولية؟

2026.04.29 - 14:04
Facebook Share
طباعة

برزت باكستان خلال الأسابيع الأخيرة كوسيط محوري في الحرب بين إيران والولايات المتحدة، بعد أن نجحت في جمع الطرفين إلى طاولة محادثات مباشرة في إسلام أباد، في تحول لافت لدولة ارتبط اسمها لسنوات بالعزلة والاضطرابات الداخلية.

 

هذا الدور لم يأتِ من فراغ، بل نتيجة إعادة تموضع دبلوماسي تدريجي، استثمرت خلاله إسلام أباد شبكة علاقاتها الإقليمية وقدرتها على التواصل مع أطراف متباعدة ووفق ما نقلته شبكة سي إن إن، تنتظر باكستان مقترحًا إيرانيًا معدّلًا لإنهاء الحرب، بعد رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب النسخة السابقة، ما يعكس استمرار دورها كقناة اتصال رئيسية بين الجانبين.

 

يرى الباحث جوشوا كورلانتزيك من مجلس العلاقات الخارجية أن هذا التحول يمثل نقطة انعطاف في موقع باكستان الدولي، بعد عقود وُصفت خلالها بأنها دولة تعاني هشاشة داخلية وتوترات إقليمية، خصوصًا مع الهند المجاورة.

 

اقتصاديًا، لم تكن خيارات باكستان واسعة في السابق، إذ اعتمدت بشكل كبير على الصين، التي تدين لها بنحو 70 مليار دولار، إضافة إلى برامج دعم متكررة من صندوق النقد الدولي غير أن السنوات الأخيرة شهدت توسعًا في تحركاتها الخارجية، ما ساعدها على كسر نمط العزلة.

 

نجحت إسلام أباد في تحقيق اختراق دبلوماسي تمثل في جمع واشنطن وطهران في محادثات مباشرة، وهو إنجاز لم يتحقق طوال نحو خمسة عقود. كما لعبت دورًا في التهدئة الإقليمية، وأسهمت في دعم وقف إطلاق النار في لبنان، إلى جانب توسيع حضورها في آسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا، وتعزيز علاقاتها مع دول الشرق الأوسط.

 

في هذا الإطار، وقّعت باكستان اتفاقًا دفاعيًا مع السعودية عام 2025، وعززت شراكاتها مع تركيا ومصر، مع طرح فكرة تكتل أمني رباعي يضم هذه الدول.

 

في المقابل، أعادت واشنطن تقييم علاقتها مع باكستان، بعد سنوات من التوتر، خاصة خلال ولاية دونالد ترامب الأولى، التي شهدت وقف المساعدات العسكرية. لكن التطورات الأخيرة دفعت الإدارة الأميركية إلى النظر إلى إسلام أباد كشريك قادر على الربط بين جنوب آسيا والشرق الأوسط.

 

كما لعبت التوترات مع الهند دورًا في التحول، حيث تراجعت العلاقات بين واشنطن ونيودلهي بسبب الخلافات التجارية، والقيود على التأشيرات، ومشتريات النفط الروسي، إضافة إلى تصريحات ترامب بشأن وساطة أميركية سابقة بين الهند وباكستان، وهو ما رفضته نيودلهي.

 

على المستوى السياسي، عززت باكستان حضورها عبر قنوات مباشرة مع الإدارة الأميركية، حيث استضاف البيت الأبيض في يونيو 2025 قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، في خطوة غير مسبوقة عكست أهمية الدور العسكري في القرار السياسي داخل البلاد.

 

كما سعت إسلام أباد إلى توظيف علاقتها مع ترامب بفعالية، إذ رشحته لنيل جائزة نوبل للسلام، وانخرطت في مبادرات اقتصادية واستثمارية مشتركة، بما في ذلك التعاون في مجالات الطاقة والعملات الرقمية.

 

اقتصاديًا، تمتلك باكستان موارد طبيعية مهمة، تشمل معادن تُقدّر قيمتها بنحو 8 تريليونات دولار، بينها الليثيوم والنحاس، إلى جانب العناصر الأرضية النادرة، ما يعزز جاذبيتها كشريك استراتيجي.

 

هذا التحول دفع عدة دول غربية إلى إعادة الانفتاح على إسلام أباد، حيث زارها وزير الخارجية البريطاني عام 2025 لأول مرة منذ أربع سنوات، كما عززت علاقاتها مع فرنسا وكندا وأستراليا في مجالات الاستثمار والتجارة.

 

في المحصلة، انتقلت باكستان من موقع الدولة المعزولة إلى لاعب دبلوماسي مؤثر، مستفيدة من موقعها الجغرافي وشبكة علاقاتها، لتفرض نفسها وسيطًا رئيسيًا في واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا، مع احتمال ترسيخ هذا الدور على المدى الطويل.

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 6

اقرأ أيضاً