شهدت مالي خلال الفترة الأخيرة تصعيدًا خطيرًا في التطورات العسكرية، بعد أن تمكنت مجموعات متمردة من بسط سيطرتها على مدينة كيدال، وسط تقارير عن سقوط وزير الدفاع في الحكومة العسكرية خلال المواجهات، في مؤشر على اتساع رقعة الانهيار الأمني في البلاد.
وتزامن ذلك مع هجمات منسقة طالت عدة مدن رئيسية، من بينها العاصمة باماكو ومناطق مجاورة مثل كاتي، إضافة إلى مدن في الوسط والشمال، حيث نفذت جماعات مسلحة مرتبطة بتنظيمات متشددة عمليات متزامنة استهدفت مواقع عسكرية ومدنية، في مشهد يعكس تنامي التنسيق بين الفصائل المسلحة الناشطة في الإقليم.
وفي شمال البلاد، أعلنت مجموعات متمردة التوصل إلى تفاهم يقضي بانسحاب قوات أجنبية كانت منتشرة في مدينة كيدال، مع تأكيدها فرض سيطرة كاملة على المنطقة، ما يعكس تغيرًا في ميزان القوى داخل هذا الجزء من البلاد.
تفكك أمني ممتد منذ سنوات
يرى محلل سياسي أن ما تشهده مالي اليوم ليس تطورًا مفاجئًا، بل نتيجة مسار ممتد منذ أزمة عام 2012، حين فقدت الدولة المركزية قدرتها على ضبط شمال البلاد، وهو ما فتح الباب أمام تداخل معقد بين حركات تمرد محلية وجماعات مرتبطة بتنظيمات متشددة.
ويشير المحلل إلى أن الانقلابات العسكرية المتكررة ساهمت في إضعاف مؤسسات الدولة، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، التي باتت تواجه صعوبة في فرض الاستقرار أو تأمين الحدود بشكل فعال.
كما يضيف أن خروج قوات حفظ السلام الدولية من البلاد، إلى جانب الاعتماد على قوى عسكرية خارجية بديلة، لم ينجح في سد الفراغ الأمني، بل ساهم في بعض الحالات في زيادة التوتر بسبب اعتماد مقاربة أمنية بحتة لا تعالج جذور الأزمة.
صراعات داخلية وبيئة خصبة للتطرف
ويؤكد محلل آخر أن المشهد في مالي يتغذى أيضًا على صراعات عرقية واجتماعية متجذرة بين مكونات مثل الطوارق والفولاني والدوجون، وهي توترات استغلتها الجماعات المسلحة لتوسيع نفوذها، بالتوازي مع سيطرتها على شبكات تهريب وطرق اقتصاد غير رسمي.
ويشير إلى أن هذا الواقع حوّل البلاد إلى ساحة مفتوحة لتداخل الأزمات الداخلية مع مصالح إقليمية ودولية، في ظل غياب تسوية سياسية قادرة على إعادة بناء مؤسسات الدولة.
تداعيات تتجاوز حدود مالي
ويحذر محلل سياسي من أن استمرار هذا الانهيار الأمني قد يقود إلى تفكك فعلي للدولة وتحولها إلى مناطق نفوذ متنازعة، خصوصًا إذا واصلت الجماعات المسلحة تعزيز وجودها في الشمال.
ويرى أن هذا السيناريو لا يقتصر على الداخل المالي، بل قد يمتد إلى دول الجوار مثل النيجر وبوركينا فاسو، ما ينذر باتساع رقعة عدم الاستقرار في منطقة الساحل بأكملها.
كما يشير إلى أن تراجع الدور الغربي وصعود أدوار بديلة في المنطقة لم ينجح في تحقيق الاستقرار، بل أبقى المشهد مفتوحًا على مزيد من التعقيد.
أزمات اقتصادية وإنسانية متفاقمة
وفي قراءة اقتصادية، يؤكد محلل اقتصادي أن المؤشرات الكلية للاقتصاد المالي لا تعكس الواقع المعيشي، رغم تسجيل نسب نمو إيجابية في بعض التقديرات الدولية.
ويشير إلى أن جزءًا كبيرًا من السكان يعيش تحت خط الفقر، مع حاجة ملايين الأشخاص إلى مساعدات إنسانية عاجلة، خاصة في المناطق الشمالية التي تواجه خطر المجاعة نتيجة الحصار والتوترات الأمنية.
كما يلفت إلى أن النزاع المسلح تسبب في نزوح واسع للسكان نحو المدن الكبرى، ما أدى إلى ضغط كبير على الخدمات الأساسية، بما في ذلك التعليم والصحة، حيث أُغلقت آلاف المدارس وتراجعت القدرة الاستيعابية للمؤسسات الصحية.
ويضيف أن القيود على الحركة والتجارة، إلى جانب انسحاب البلاد من بعض التكتلات الإقليمية، ساهمت في تعقيد الوضع الاقتصادي وزيادة عزلة المناطق المتضررة.
تهميش مزمن يزيد الأزمة تعقيدًا
وفي تحليل اجتماعي اقتصادي، يشير محلل إلى أن بعض المجتمعات المحلية، خصوصًا في الشمال، تعاني من تهميش طويل الأمد، أدى إلى تدهور مصادر رزقها التقليدية المعتمدة على تربية الماشية والتجارة الموسمية.
ويضيف أن التغيرات المناخية والعمليات العسكرية ساهمت في تراجع هذا النمط الاقتصادي، ما دفع العديد من الأسر إلى فقدان مصادر دخلها الأساسية.
كما يشير إلى أن توقف النشاط السياحي في مناطق تاريخية بارزة منذ سنوات، إلى جانب ضعف الاستثمارات التنموية، زاد من حدة الأوضاع الاقتصادية، في وقت يشتكي فيه السكان من غياب توزيع عادل للثروات.
ويخلص المحللون إلى أن استمرار هذا المسار قد يدفع مزيدًا من الشباب إلى الانخراط في أنشطة غير قانونية أو الانضمام إلى جماعات مسلحة، ما يعمّق الأزمة ويجعل من مالي بؤرة اضطراب طويلة الأمد في منطقة الساحل الأفريقي.