تشهد جبهة جنوب لبنان تحولا ميدانيا متسارعا يعكس انتقالا من مرحلة التهدئة المعلنة إلى واقع عملياتي أكثر تعقيدا، حيث تتواصل العمليات العسكرية الإسرائيلية رغم إعلان وقف إطلاق النار، ما يثير تساؤلات حول طبيعة المرحلة الجديدة وحدودها الفعلية.
وتشير المعطيات الميدانية إلى اعتماد الجيش الإسرائيلي نمطا تصعيديا يقوم على القصف الجوي والمدفعي، إلى جانب عمليات نسف طالت أحياء سكنية ومربعات كاملة في عدد من البلدات الجنوبية، في سياق يبدو أنه يهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض وإعادة رسم مناطق السيطرة والنفوذ.
وبحسب قراءة ميدانية للخارطة التفاعلية، فإن التحركات الإسرائيلية تترافق مع إنذارات متكررة لسكان قرى تقع ضمن ما يعرف إسرائيليا بـ”الخط الأصفر”، خصوصا في المناطق الممتدة جنوب نهر الليطاني، حيث تتوسع التحذيرات بالتوازي مع عمليات تدمير واسعة للبنية السكنية.
وتشمل هذه العمليات بلدات مثل الخيام وبنت جبيل، حيث تم تنفيذ عمليات نسف لمربعات سكنية، ما أدى إلى تضرر واسع في النسيج العمراني، وسط مؤشرات على توجه لإعادة تشكيل هذه المناطق جغرافيا وأمنيا بشكل يمنع عودة الحياة الطبيعية إليها في المدى القريب.
وتربط تقديرات ميدانية بين هذا النهج ومحاولات فرض منطقة عازلة بالقوة، عبر خلق واقع أمني جديد على الحدود الجنوبية، بما ينسجم مع مقاربة تقوم على إبعاد أي تهديد محتمل عن المستوطنات الشمالية الإسرائيلية.
في المقابل، تتوزع العمليات العسكرية الإسرائيلية على نطاق جغرافي واسع يشمل بلدات في الجنوب وأخرى تمتد نحو مناطق أبعد نسبيا، حيث أعلن الجيش الإسرائيلي استهداف منصات إطلاق صواريخ ومواقع عسكرية، في إطار عمليات تقول تل أبيب إنها تهدف إلى منع إعادة بناء القدرات العسكرية في المنطقة.
في الجانب الآخر، أعلن حزب الله تنفيذ عمليات مضادة شملت استهداف آليات ومواقع عسكرية إسرائيلية، إضافة إلى إسقاط طائرة مسيرة، ما يعكس استمرار التفاعل العسكري رغم وجود اتفاق لوقف إطلاق النار، ويؤشر إلى أن خطوط الاشتباك لم تتجمد فعليا.
ويصف خبير عسكري هذه المرحلة بأنها أقرب إلى “ضبط لإطلاق النار” منها إلى وقف شامل، إذ تستمر العمليات العسكرية لكن ضمن مستويات متفاوتة من الشدة والانتشار، ما يعكس حالة من التوتر المنضبط نسبيا دون الوصول إلى حرب مفتوحة.
ووفق هذا التوصيف، يمكن تمييز ثلاثة مستويات من التحرك العسكري الإسرائيلي: الأول يتمحور حول محيط الخط الأصفر حيث يجري تثبيت وقائع ميدانية عبر عمليات تدمير متكررة، والثاني يمتد إلى المنطقة بين هذا الخط ونهر الليطاني حيث تتكرر الاستهدافات بشكل شبه يومي، فيما يصل المستوى الثالث إلى مناطق أبعد شمال الليطاني، ما يعكس توسعا تدريجيا في نطاق العمليات.
وتتركز عمليات النسف في بلدات ذات ثقل سكاني وتاريخي، ما يطرح قراءة مفادها أن الهدف يتجاوز البعد العسكري المباشر ليشمل تفكيك البنية المجتمعية في بعض المناطق الحدودية، بما يمنع إعادة تشكل أي بيئة مستقرة قد تُستخدم مستقبلا في المواجهة.
كما ترتبط هذه التطورات بتوظيف سياسي وعسكري لمفهوم “حق الدفاع عن النفس”، حيث يُستخدم هذا الإطار لتبرير عمليات واسعة النطاق دون تعريف دقيق للحدود الجغرافية أو الزمنية للتدخل، ما يفتح المجال أمام توسيع مستمر لنطاق العمليات.
وفي هذا السياق، تُطرح تساؤلات حول طبيعة قواعد الاشتباك الجديدة التي يتم فرضها ميدانيا، في ظل غياب تثبيت نهائي لوقف إطلاق النار، واستمرار العمليات العسكرية بوتيرة متقطعة لكنها متصاعدة في تأثيرها.
ويشير هذا المسار إلى أن الجبهة الجنوبية باتت تشهد إعادة تعريف تدريجية لمفاهيم التهدئة والاشتباك، حيث تتداخل العمليات العسكرية مع ترتيبات سياسية غير مكتملة، ما يجعل المشهد مفتوحا على مزيد من التغيرات في المرحلة المقبلة.