تفرض التحولات المتسارعة في الإقليم على سوريا إعادة ضبط مقاربتها لملفات حساسة، يتقدمها موقع حزب الله ضمن معادلة الأمن والتوازن الإقليمي، في ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران وتداخل الجبهات من لبنان إلى الداخل السوري.
تواجه دمشق ضغوطًا متعددة الاتجاهات، تشمل تحركات أميركية تدفع نحو تشديد الموقف من الحزب، وتصعيدًا إسرائيليًا مستمرًا في الجنوب السوري، إلى جانب تحذيرات تركية من احتمالات توسع العمليات العسكرية، ما يضع القيادة السورية أمام خيارات محدودة بين الانخراط أو الاحتواء.
تتوزع داخل مؤسسات الحكم مقاربات مختلفة تجاه سلاح حزب الله، حيث يراه فريق تهديدًا أمنيًا مباشرًا يرتبط بعمليات تهريب ونشاط عسكري داخل الأراضي السورية، بينما ينظر إليه فريق آخر كعنصر ضمن توازن القوى الإقليمي، يحد من التفوق الإسرائيلي، في حين يركز اتجاه ثالث على تداعيات أي خطوة تتعلق بنزع السلاح في توقيت إقليمي شديد الحساسية.
ظهر هذا التباين بوضوح مع تداول تقارير عن ضغوط أميركية لدفع دمشق نحو دور مباشر في مواجهة الحزب داخل لبنان، وهو طرح قوبل برفض رسمي، بالتوازي مع نفي أميركي لوجود طلب بهذا الاتجاه، ما يعكس تعدد القنوات واختلاف الروايات.
في المقابل، صدرت إشارات رسمية تؤكد أهمية الحفاظ على توازن استراتيجي في المنطقة، باعتباره عاملًا يحد من هيمنة طرف واحد، وهو طرح يضع سلاح الحزب ضمن سياق أوسع يرتبط بموازين القوى وليس فقط بالاعتبارات الأمنية المباشرة.
على الأرض، تتعامل الأجهزة الأمنية السورية مع الملف من زاوية أمنية، حيث أعلنت تفكيك خلايا وضبط صواريخ ومنصات إطلاق في مناطق جنوبية، بينها القنيطرة، مع اتهامات بتخطيط لعمليات عبر الحدود، في مؤشر على تشدد في التعامل مع أي نشاط غير منضبط.
بالتوازي، شهدت الحدود السورية اللبنانية تحركات عسكرية لافتة، شملت انتشار وحدات من الجيش السوري دون إعلان مسبق، مع تباين في التصريحات الرسمية بين دعم جهود ضبط السلاح داخل لبنان، والتركيز على حماية الحدود ومنع التهريب.
تتزامن هذه التحركات مع تحذيرات أطلقها وزير الخارجية هاكان فيدان بشأن احتمال انتقال العمليات الإسرائيلية إلى الساحة السورية، ما يزيد من تعقيد الحسابات الأمنية لدى دمشق.
بالمقابل، تصعّد إسرائيل من تهديداتها عبر الحديث عن إنشاء مناطق عازلة داخل الجنوب السوري، واستمرار التوغلات في القنيطرة، إلى جانب تصريحات صادرة عن بنيامين نتنياهو وبتسلئيل سموتريتش حول توسيع نطاق السيطرة لأسباب أمنية.
داخل المشهد الحكومي، يبرز تباين واضح بين من يدفع نحو مقاربة أمنية صارمة، ومن يفضل إبقاء الملف ضمن إطار التوازن الإقليمي، وبين من يركز على تداعيات أي تغيير جذري في ظل استمرار الحرب على إيران ولبنان.
في الخلفية، تتحرك قوى إقليمية للحفاظ على توازن القوى، حيث تظهر مؤشرات على رغبة بعض الدول في منع انهيار حزب الله أو إيران، لتفادي اختلال أوسع في المنطقة، وهو ما ينعكس على طبيعة المواقف السياسية.
تشمل هذه التحركات اتصالات وزيارات دبلوماسية متبادلة، تعكس مساعي لاحتواء التصعيد ومنع انتقاله إلى ساحات إضافية، في ظل ترابط الملفات بين سوريا ولبنان وإيران.
في المحصلة، يتجاوز ملف سلاح حزب الله الإطار الأمني الضيق، ليشكل اختبارًا لقدرة دمشق على إدارة توازن معقد بين الضغوط الدولية والتحديات الداخلية، وبين ضرورات الاستقرار ومتطلبات التموضع في بيئة إقليمية متغيرة.