تتباين مواقف القوى السياسية في لبنان حيال مسار التفاوض المباشر مع إسرائيل، بين من يراه وسيلة لوقف التصعيد وتحقيق مكاسب سيادية، ومن يرفض ربطه بأي مسار نحو السلام، في ظل تعقيدات داخلية وحسابات إقليمية متداخلة.
يربط رئيس الجمهورية جوزيف عون أي بحث في السلام بشروط تشمل وقف الاعتداءات، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، وعودة الأسرى، مؤكداً أن التفاوض أداة لمعالجة الأزمات وليس تنازلاً عن الحقوق. في المقابل، يطرح رئيس الحكومة نواف سلام رؤية تقوم على الحاجة إلى حل مستدام يتجاوز وقف إطلاق النار، ويضمن الاستقرار والسيادة.
على الضفة الأخرى، يرفض حزب الله وحركة أمل أي طرح لاتفاق سلام، ويؤكدان أن الحد الأقصى الممكن هو هدنة محسّنة، وهو موقف ينسجم مع طرح وليد جنبلاط الذي يفضل إبقاء التفاوض ضمن سقف أمني دون الانتقال إلى تسوية سياسية شاملة.
في المقابل، تميل قوى سياسية أخرى إلى دعم التفاوض المباشر كخيار عملي لوقف الاعتداءات واستعادة الحقوق، مع تحفظ على الذهاب الفوري نحو اتفاق سلام، وهو تباين في الأهداف النهائية للمفاوضات.
تُعد القوات اللبنانية وحزب الكتائب اللبنانية من أبرز القوى الداعمة لخيار السلام، حيث يرى سمير جعجع أن إنهاء حالة الحرب ضرورة، فيما يعتبر سامي الجميل أن التفاوض يمثل السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار.
تطرح هذه القوى مقاربة تقوم على أن استمرار العمليات العسكرية والتوغل الإسرائيلي، الذي طال عشرات القرى ووصل إلى ما يُعرف بـ"الحزام الأصفر" الذي يضم نحو 55 بلدة، يجعل التفاوض الخيار الأكثر واقعية لوقف التدهور الميداني، في ظل غياب توازن عسكري يسمح بفرض شروط مغايرة.
في المقابل، يشدد التيار الوطني الحر على دعم التفاوض بهدف الوصول إلى سلام عادل، مع التأكيد على ضرورة وجود توافق وطني وعربي قبل اتخاذ خطوة بهذا الحجم، لضمان تحصين الموقف اللبناني.
يرى النائب جيمي جبور أن التفاوض يجب أن يبقى أداة لتحقيق أهداف محددة، أبرزها استعادة الأرض والأسرى ووقف الاعتداءات، مع ضرورة الموازنة بين الاعتبارات الداخلية ومتطلبات الوفاق الوطني.
من جهته، يدعم الحزب التقدمي الاشتراكي خيار التفاوض ضمن سقف أمني، حيث يؤكد النائب بلال عبد الله أن الأولوية تتمثل في حماية لبنان ووقف الاعتداءات وإعادة الإعمار، مع التحذير من الذهاب إلى اتفاق سياسي شامل في ظل ظروف غير مواتية.
يربط هذا الطرح أي تقدم نحو السلام بمحددات إقليمية ودولية، ويستند إلى مبادرة السلام العربية 2002 التي تشترط إنهاء الاحتلال قبل أي تسوية شاملة.
على صعيد المزاج السني، يظهر توجه داعم لمؤسسات الدولة وخياراتها، مع تأييد إدارة التفاوض بما يضمن تثبيت وقف إطلاق النار وتحويله إلى هدنة مستقرة، وصولاً إلى استعادة الحقوق ضمن مقاربة تدريجية تراعي مصلحة لبنان.
يشير هذا التباين إلى غياب رؤية موحدة داخل الساحة اللبنانية بشأن سقف التفاوض، بين من يراه مساراً تقنياً محدوداً لتحقيق أهداف أمنية، ومن يعتبره مدخلاً لتسوية أوسع قد تصل إلى اتفاق سلام، وهو ما يجعل أي قرار نهائي مرهوناً بتوافق داخلي لم تتضح معالمه بعد.