تتزايد التحذيرات في بريطانيا من التداعيات النفسية العميقة التي يعيشها طالبو اللجوء داخل فنادق الإيواء، حيث تحوّلت الإقامة المؤقتة إلى حالة انتظار طويلة تُنهك الأفراد وتُضعف قدرتهم على التكيّف، في ظل غياب رؤية واضحة لمعالجة الأزمة بشكل جذري، والاكتفاء بإجراءات جزئية لا تُنهي المشكلة بل تعيد توزيعها.
عاد ملف الإيواء إلى الواجهة بعد إعلان وزارة الداخلية البريطانية إغلاق 11 فندقًا في 15 أبريل 2026، مع التلويح بإغلاقات إضافية، إلا أن نحو 185 فندقًا لا تزال قيد الاستخدام، ما يعني استمرار الضغط على النظام، خصوصًا مع نقل بعض المقيمين إلى مواقع جماعية بديلة، من بينها معسكر كروبره في إيست ساسكس، وهو ما يطرح تساؤلات حول جدوى الإجراءات المتخذة، وما إذا كانت الأزمة تُحل فعليًا أم يجري نقلها من مكان إلى آخر.
تُظهر شهادات طالبي اللجوء أن الحياة داخل هذه الفنادق لا تقتصر على الانتظار الإداري، بل تتحول إلى تجربة قاسية تتسم بالعزلة والضيق النفسي، حيث يقضي كثيرون أشهرًا وربما سنوات داخل غرف صغيرة تفتقر إلى الخصوصية، مع غياب أي مؤشر على موعد المغادرة، وهو ما يعمّق الشعور بعدم اليقين ويؤثر بشكل مباشر على الاستقرار النفسي.
أكد تقرير صادر عن مؤسسة الصحة النفسية البريطانية في أبريل 2025 أن الإقامة الطويلة في الفنادق ترتبط بارتفاع معدلات القلق والاكتئاب، خاصة لدى النساء والأطفال، فيما أشارت مؤسسة هيلين بامبر في تقرير 2024 إلى أن الاكتظاظ وغياب الإحساس بالأمان يزيدان من مستويات الاضطرابات النفسية، خصوصًا لدى الناجين من العنف أو التعذيب.
وسلطت صحيفة The Guardian الضوء على المخاطر المرتبطة بهذه الظروف، من خلال حادثة وفاة طالب لجوء ألباني على متن عبارة "بيبي ستوكهولم"، بعد نقله رغم التحذيرات بشأن حالته النفسية، وهو ما كشف عن ثغرات في نظام الرعاية والدعم، وعدم كفاية التقييمات الطبية في بعض الحالات.
تتجاوز الأزمة الجانب النفسي إلى تفاصيل الحياة اليومية، حيث يعيش المقيمون في بيئة مغلقة تحدّ من الحركة والتفاعل الاجتماعي، مع وجود عدد من الفنادق في مناطق بعيدة عن الخدمات الأساسية، ما يضطر بعضهم إلى إنفاق جزء كبير من المخصصات الأسبوعية على وسائل النقل للوصول إلى مراكز الدعم أو العلاج، وهو ما يزيد من الأعباء المعيشية.
تشير تقارير ميدانية إلى أن الاحتجاجات التي شهدتها بعض الفنادق خلال الأشهر الماضية ساهمت في تعميق الشعور بعدم الأمان، خاصة في ظل خطاب إعلامي وسياسي يتسم أحيانًا بالحدة، ما يعزز الإحساس بعدم الترحيب ويؤثر على الصحة النفسية للمقيمين، خصوصًا من لديهم تجارب سابقة في النزاعات.
تتفاقم المعاناة داخل العائلات، إذ تُستخدم غرف مخصصة لشخصين لإيواء أسر كاملة قد تصل إلى 6 أفراد، من دون مساحة كافية للحركة أو الخصوصية، ما يؤثر على العلاقات داخل الأسرة، ويخلق بيئة ضاغطة لا تساعد على التعافي أو الاستقرار.
يبرز الأطفال بوصفهم الفئة الأكثر تضررًا، حيث يحرمون من مساحات اللعب والتعليم المنتظم، في ظل بيئة مغلقة تفتقر إلى التحفيز، ما يؤدي إلى اضطرابات سلوكية وتأخر في النمو النفسي والاجتماعي، كما تشير تقارير إلى غياب مرافق مناسبة للأطفال في عدد من مواقع الإيواء.
على صعيد الغذاء، يواجه المقيمون تحديات إضافية، حيث لا تراعي الوجبات المقدمة التنوع الثقافي، وتفتقر في بعض الحالات إلى الجودة، ما يدفع بعض الأطفال إلى الامتناع عن تناول الطعام، وقد حذر أطباء من تزايد حالات سوء التغذية، خاصة بين الفئات الأصغر سنًا.
تتعلق شكاوى أخرى بغياب الخصوصية، حيث أفاد مقيمون بدخول موظفين إلى الغرف دون منح وقت كافٍ للرد، وهو ما يثير القلق لدى من يحملون ذكريات مرتبطة بانتهاك الخصوصية في بلدانهم الأصلية، ويزيد من الإحساس بعدم الأمان داخل أماكن يفترض أن توفر الحماية.
في المقابل، تدعو منظمات حقوقية ومجتمعية إلى إعادة هيكلة شاملة لنظام الإيواء، تشمل تسريع معالجة طلبات اللجوء لتقليل فترات الانتظار، وإشراك المجالس المحلية في التخطيط، وتوفير مساكن أكثر استقرارًا تسمح بالاندماج، بدل الاعتماد على الفنادق التي تُدار غالبًا بعقود مع القطاع الخاص.
تطرح بعض الجهات نموذجًا بديلًا يقوم على إنشاء مراكز ترحيب مجتمعية، تتيح لطالبي اللجوء التعرف على بيئتهم الجديدة والخدمات المتاحة، وتعزز التفاعل مع السكان المحليين، وهو نموذج يُنظر إليه على أنه أقل تكلفة وأكثر إنسانية، لأنه يعتمد على الدمج بدل العزل.
تشير الأرقام إلى أن 109,343 شخصًا تقدموا بطلبات لجوء في بريطانيا عام 2024، بزيادة 17% مقارنة بعام 2023، وبارتفاع 6% عن أعلى مستوى سُجل عام 2002، ما يعكس استمرار الضغط على النظام وارتفاع الطلب على خدمات الإيواء.
في سياق متصل، أعلنت الحكومة البريطانية توجهها لإجراء إصلاحات تشمل جعل وضع اللجوء مؤقتًا، ورفع مدة الانتظار للحصول على إقامة دائمة إلى 20 عامًا، ضمن نهج أكثر تشددًا، وهو ما يثير مخاوف من زيادة حالة عدم الاستقرار لدى طالبي اللجوء وإطالة أمد المعاناة.
تعكس هذه المعطيات أزمة مركبة تتداخل فيها الجوانب الإنسانية والإدارية والسياسية، حيث يعيش آلاف الأشخاص في حالة انتظار مفتوحة، وسط مطالب متزايدة بإعادة النظر في السياسات المعتمدة، بما يضمن الكرامة الإنسانية ويوفر بيئة أكثر استقرارًا بدل العزلة الممتدة داخل فنادق الإيواء.