جنوب لبنان: السيطرة النارية في مواجهة الاستنزاف

2026.04.24 - 13:49
Facebook Share
طباعة

تشهد لبنان، وتحديداً الجنوب الحدودي، تصعيداً عسكرياً متواصلاً من جانب إسرائيل رغم سريان الهدنة، مع تزايد الغارات الجوية وعمليات النسف التي تستهدف البنية المدنية والقرى الحدودية، في مشهد يتجاوز الضربات التقليدية نحو إعادة صياغة الواقع الميداني.

 

تتحرك العمليات ضمن مسار يتجه إلى تثبيت معادلة جديدة على الأرض، تقوم على إنشاء حزام أمني بعمق يتراوح بين خمسة وعشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، يمتد من الحدود مع سوريا مروراً بمناطق حاصبيا ومرجعيون والخيام، وصولاً إلى الساحل عند الناقورة والبياضة. تتعامل القوات الإسرائيلية مع هذا الامتداد بوصفه منطقة عازلة تُفرض تدريجياً عبر القصف ومنع السكان من العودة.

 

تتركز العمليات بشكل لافت في القطاع الأوسط، خاصة في بنت جبيل ومحيطها، حيث تُنفذ عمليات تدمير واسعة طالت بلدات الطيري وبيت ليف وعيتا الشعب، إضافة إلى مناطق في القطاع الشرقي مثل الخيام والطيبة. تظهر المقارنات الميدانية تصاعداً واضحاً في حجم الدمار، مع انتقال العمليات من القصف إلى نسف منهجي يستهدف البنية العمرانية.

 

يرتبط هذا المسار بمحاولة فرض واقع ديموغرافي جديد، عبر إبقاء عشرات القرى خالية من سكانها. تشير المعطيات إلى أن ما بين 55 و60 بلدة تحولت إلى مناطق محظورة، ما يعزز فكرة المنطقة العازلة ويغير طبيعة الانتشار السكاني على المدى الطويل.

 

تكتسب بنت جبيل أهمية خاصة ضمن هذا المشهد، إذ تمثل نقطة ارتكاز تربط عدة محاور داخل الجنوب، ما يجعلها مركزاً للتحكم في خطوط الحركة والإمداد. السيطرة على المرتفعات المحيطة تمنح أفضلية في الرصد وإدارة النيران، وهو ما يندرج ضمن مفهوم "مسك المناطق الحاكمة" في العقيدة العسكرية.

 

في المقابل، يعتمد حزب الله أسلوباً قتالياً يقوم على استنزاف الخصم بدلاً من التمسك بالأرض، من خلال ما يُعرف بمبدأ "مبادلة الجغرافيا بالخسائر". يقوم هذا النهج على التراجع التكتيكي من بعض المواقع مقابل إيقاع خسائر بشرية ومادية في صفوف القوات المتقدمة، ما أدى إلى استنزاف واضح في القوة البشرية والآليات.

 

ساهمت أيضاً وسائل قتالية غير تقليدية في إبطاء التقدم، من بينها العبوات المزروعة في المباني والممرات، والتي أدت إلى خسائر إضافية بعد وقف إطلاق النار، ضمن نمط يعتمد على الكمائن والأفخاخ الأرضية.

 

على المستوى العملياتي، تدفع إسرائيل بوحدات نخبة إلى الميدان، تشمل تشكيلات مظليين وقوات خاصة، مدعومة بغطاء ناري كثيف، في حين جرى تقليص الاعتماد على الوحدات المدرعة الثقيلة. تتولى هذه القوات مهام التمشيط والبحث داخل المناطق المتقدمة، في تحول يعكس طبيعة القتال القريب والمعقد.

 

برز أيضاً استخدام منظومات مدفعية حديثة، أبرزها "رويم" بعيار 155 ملم، التي توفر كثافة نارية عالية مع قدرة على الحركة السريعة وتغيير المواقع لتفادي الاستهداف. تنتشر هذه المنظومات في نطاق يمتد بين رميش والساحل، وتُستخدم لتأمين دعم ناري مستمر للوحدات البرية.

 

يسمح هذا النمط بتقليل الاعتماد على سلاح الجو في بعض العمليات، وتوفير قدرات إضافية لمهام أخرى خارج الساحة اللبنانية، مع الحفاظ على ضغط ناري مستمر في الميدان.

 

يرتبط المسار العسكري بمقاربة سياسية تقوم على فرض وقائع ميدانية تُستخدم لاحقاً في التفاوض. يسعى الجانب الإسرائيلي إلى تثبيت خطوط أمنية جديدة، وخلق بيئة ميدانية تُعيد رسم حدود التأثير والسيطرة، ضمن ما يُعرف بمفاهيم "منطقة الاهتمام" و"منطقة التأثير" في التخطيط العسكري.

 

تُظهر التطورات أن الجنوب اللبناني دخل مرحلة جديدة من الصراع، تتداخل فيها الجغرافيا مع الحسابات العسكرية، ويتحول فيها الميدان إلى مساحة لإعادة رسم التوازنات، بين محاولة فرض السيطرة من جهة، واستراتيجية الاستنزاف من جهة أخرى.

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 3