يشهد قطاع غزة إجراء أول انتخابات بلدية منذ نحو عقدين، حيث يتوجه الفلسطينيون في مدينة دير البلح إلى صناديق الاقتراع في خطوة تحمل أبعاداً سياسية واجتماعية تتجاوز الإطار المحلي، وتأتي في ظل واقع معقد فرضته الحرب والتطورات الإقليمية.
تُجرى الانتخابات بإشراف السلطة الفلسطينية، وتُعد الأولى من نوعها في القطاع منذ عام 2006، وهو العام الذي شهد فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية وسيطرتها لاحقاً على غزة.
تم اختيار دير البلح لإجراء هذه الانتخابات نظراً لكونها من أقل المناطق تضرراً خلال الحرب الأخيرة، ما أتاح إمكانية تنظيم العملية الانتخابية فيها مقارنة بمناطق أخرى شهدت دماراً واسعاً.
يبلغ عدد الناخبين المسجلين نحو 70 ألفاً، موزعين على 12 مركز اقتراع، بعضها أقيم في مواقع مفتوحة وخيام، في مشهد يعكس طبيعة الظروف الاستثنائية التي يعيشها القطاع.
تتنافس في الانتخابات أربع قوائم، تضم مرشحين مستقلين وآخرين محسوبين على تيارات سياسية مختلفة، في حين اختارت حركة حماس عدم تقديم قائمة رسمية، على خلفية خلافات تتعلق بشروط الترشح، أبرزها الاعتراف بإسرائيل، وهو شرط ترفضه الحركة.
رغم المقاطعة الرسمية، تشير تقديرات سياسية إلى احتمال دعم الحركة لمرشحين مقربين منها، في محاولة لقياس حضورها الشعبي في ظل المتغيرات التي شهدها القطاع خلال السنوات الأخيرة.
في المقابل، يُتوقع أن تستفيد حركة فتح من غياب منافسة مباشرة من حماس، خاصة في ظل مشاركتها الفاعلة في الانتخابات البلدية في الضفة الغربية خلال السنوات الماضية.
تُنظر الانتخابات على أنها خطوة رمزية تعكس تمسك الفلسطينيين بوحدة النظام السياسي، في مواجهة مشاريع دولية تسعى إلى فصل غزة عن الضفة الغربية، وإعادة تشكيل إدارة القطاع بمعزل عن الإطار الوطني العام.
يتزامن التصويت مع طرح مبادرات دولية، من بينها خطة أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تهدف إلى إعادة إعمار غزة تحت إدارة لجنة تكنوقراطية، مع اشتراطات تتعلق بنزع سلاح حماس، وهو ما ترفضه الحركة حتى الآن.
يرى مشاركون في العملية الانتخابية أن التصويت يمثل فرصة نادرة للتعبير السياسي، خاصة لجيل لم تتح له المشاركة في أي استحقاق انتخابي سابق، نتيجة الانقسام السياسي والظروف الأمنية.
تظهر الحملات الانتخابية في شوارع دير البلح من خلال لافتات وشعارات القوائم المتنافسة، في مشهد يعكس محاولة استعادة مظاهر الحياة المدنية رغم آثار الحرب المستمرة.
تشير استطلاعات رأي سابقة إلى استمرار حضور حماس في المشهد الشعبي، حيث أظهر أحد الاستطلاعات تأييداً نسبته 41% في غزة، مقابل 29% لحركة فتح، ما يجعل نتائج الانتخابات محط متابعة سياسية.
تمثل هذه الانتخابات اختباراً لقدرة المؤسسات الفلسطينية على إعادة تفعيل المسار الديمقراطي، ولو بشكل محدود، في ظل بيئة سياسية وأمنية معقدة.
كما تكشف محاولة لإعادة بناء الحياة المحلية، من خلال تمكين المجالس البلدية من إدارة الخدمات الأساسية، في وقت يعاني فيه القطاع من تدهور كبير في البنية التحتية.
تكتسب العملية الانتخابية أهمية إضافية كونها تأتي بعد حرب مدمرة استمرت لفترة طويلة، ما يجعلها مؤشراً على سعي السكان للانتقال من مرحلة الصراع إلى إعادة تنظيم الحياة اليومية.
تبقى هذه الخطوة محدودة جغرافياً، إلا أنها تحمل دلالات أوسع تتعلق بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني، وإمكانية استعادة المسار الديمقراطي على مستوى أوسع في المرحلة المقبلة.