تسعى إسرائيل إلى فرض ترتيبات ميدانية جديدة في جنوب لبنان عبر ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، وهو تصور أمني يقوم على إنشاء منطقة عازلة تمتد على طول الحدود، بما يشمل نطاقاً واسعاً من القرى والمناطق القريبة من خط التماس، في خطوة تحمل أبعاداً عسكرية وسياسية متداخلة.
تشير المعطيات إلى أن الخطة تشمل إخلاء نحو 55 قرية تمتد من الساحل عند البياضة والناقورة وصولاً إلى مرجعيون والخيام وشبعا، مع فرض قيود على الحركة البرية والبحرية، بما في ذلك مناطق الصيد القريبة من الساحل ويهدف هذا الترتيب إلى تقليص الاحتكاك المباشر، مع إنشاء نطاق أمني يمنع أي وجود مسلح قريب من الحدود.
تنفيذ مثل هذا المشروع يواجه تحديات ميدانية كبيرة، إذ لا توجد سيطرة كاملة على المناطق المستهدفة، في ظل وجود حزب الله الذي يحتفظ بانتشار في عدد من القرى، بما في ذلك مناطق تقع شمال نهر الليطاني، الواقع يجعل أي محاولة لفرض منطقة عازلة مرتبطة بعمليات عسكرية واسعة ومستمرة.
طبيعة الجنوب اللبناني تضيف مستوى إضافياً من التعقيد، حيث تتداخل القرى مع التضاريس الجبلية والوديان، ما يفرض تحديات لوجستية وأمنية، سواء في ما يتعلق بالانتشار العسكري أو تأمين خطوط الإمداد.
كما أن بقاء السكان أو عودتهم إلى بعض المناطق قد يعرقل تثبيت أي واقع جديد على الأرض.
في المقابل، يتحرك المسار الرسمي اللبناني عبر القنوات الدبلوماسية، مع رهان على مفاوضات ترعاها الولايات المتحدة بهدف انسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي دخلتها خلال الفترة الماضية.
المسار يركز على الوصول إلى تسوية سياسية تقلل من احتمالات التصعيد، لكنه يواجه تحديات تتعلق بمدى قدرته على فرض نتائج ميدانية.
على الجانب الآخر، يعتمد حزب الله على مقاربة ميدانية تعتبر أن الوقائع على الأرض هي التي تحدد مسار الأحداث، ما يفتح المجال أمام استمرار التوتر في حال فرض ترتيبات أمنية دون توافق.
يرى مراقبون أن التباين بين المسارين السياسي والعسكري داخل لبنان يضعف القدرة على التعامل مع التطورات بشكل موحد، في ظل غياب تنسيق كامل بينهما، رغم ارتباطهما بملف واحد يتعلق بمستقبل الجنوب.
من الناحية العسكرية، يتطلب تثبيت منطقة عازلة بهذا الحجم وجوداً دائماً لقوات برية، إلى جانب دعم هندسي وتقني يشمل المراقبة المستمرة، وإنشاء تحصينات، وتأمين طرق الإمداد كما يستدعي الأمر استعداداً للتعامل مع أي محاولات لاختراق هذه المنطقة.
إضافة إلى ذلك، يرتبط الوضع في الجنوب بسياق إقليمي أوسع، حيث تُعد الساحة اللبنانية جزءاً من توازنات مرتبطة بإيران وحلفائها، ما يجعل أي تحرك ميداني عرضة لتأثيرات خارجية قد تعيد خلط الأوراق.
في حال المضي في تنفيذ هذا التصور، قد يتطلب الأمر إعادة تشكيل البيئة الميدانية، بما يشمل إزالة بنى قائمة أو فرض قيود طويلة الأمد على الحركة، وهو ما يحمل كلفة سياسية وعسكرية مرتفعة، إلى جانب تداعيات إنسانية محتملة.
في ضوء تلك المعطيات، تبقى إمكانية تثبيت "الخط الأصفر" مرتبطة بتوافر مجموعة من الشروط، تشمل القدرة العسكرية، والقبول السياسي، والتفاهمات الإقليمية، إضافة إلى مستوى التوافق الداخلي في لبنان، مع بقاء الميدان عاملاً حاسماً في تحديد الاتجاه النهائي.