المناهج الجديدة في لبنان بين الطموح وتحديات التنفيذ

2026.04.17 - 13:17
Facebook Share
طباعة

يمثّل مشروع تطوير المناهج الجديدة في لبنان محاولة لإعادة صياغة دور المدرسة في ظل أزمات متراكمة، جعلت القطاع التربوي أمام تحديات غير مسبوقة. لا يُنظر إلى المنهج بوصفه كتاباً مدرسياً فقط، إنما إطار فكري يحدد ملامح المجتمع في المستقبل.
في هذا السياق، أكدت وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي استمرار العمل في ورشة تحديث المناهج رغم الظروف الصعبة، مشيرة إلى أن القطاع التربوي يواصل أداءه حتى في ظل الحرب، في محاولة لضمان حق التعلم وعدم انقطاعه.
تشير المعطيات إلى واقع معقد يواجه التعليم في لبنان، حيث تتداخل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية مع تداعيات الحرب، ما يضع المؤسسات التعليمية تحت ضغط متواصل. يواجه المعلمون ظروفاً معيشية صعبة، فيما يتلقى الطلاب تعليمهم في بيئة غير مستقرة، الأمر الذي يحد من فعالية العملية التعليمية.
في المقابل، لا تزال مناهج تعود إلى أواخر التسعينيات، وتحديداً إلى عام 1997، تشكّل الإطار الأساسي للتعليم، رغم التحولات العميقة التي شهدها العالم، خصوصاً مع تسارع التطور التكنولوجي ودخول أدوات الذكاء الاصطناعي إلى مختلف المجالات.
وسط هذا الواقع، يقود المركز التربوي للبحوث والإنماء ورشة واسعة لتطوير المناهج، بإشراف رئيسة المركز هيام إسحق، في محاولة للانتقال من نموذج تعليمي قائم على الحفظ والتلقين إلى نموذج حديث يركز على المهارات والكفايات.
يرتكز المشروع على جعل الطالب محور العملية التعليمية، مع تعزيز قدراته على التفكير النقدي والعمل الجماعي، بدلاً من الاكتفاء بتلقي المعلومات. كما يسعى إلى إدماج مفاهيم معاصرة، مثل التربية الرقمية، والوعي البيئي، وربط التعليم بسوق العمل.
رغم أهمية الخطوة، يواجه المشروع موجة من الانتقادات، بعضها يتناول الجوانب التربوية، فيما يتجه جزء آخر نحو سجالات عامة لا تستند إلى أسس علمية. تظهر حالة من التوتر في النقاش العام، في ظل اتساع تأثير منصات التواصل الاجتماعي.
تواجه عملية التطوير تحديات إضافية تتعلق بوتيرة التغيير، حيث تتحرك المناهج ضمن مسارات بطيئة نسبياً، في حين يشهد العالم تسارعاً كبيراً في إنتاج المعرفة، ما يطرح تساؤلات حول قدرة الأنظمة التعليمية التقليدية على المواكبة.
يحمل المشروع بعداً استراتيجياً يتجاوز الإطار التربوي، إذ يرتبط بدور التعليم كأحد ركائز الاقتصاد اللبناني، إلى جانب قطاعات مثل الاستشفاء والخدمات. ويُنظر إلى الحفاظ على جودة التعليم باعتباره عنصراً أساسياً في الحفاظ على موقع لبنان.
يشير القائمون على المشروع إلى أن تحديث المناهج لا يهدف فقط إلى تطوير المحتوى، إنما إلى إعادة بناء العلاقة بين المدرسة والمجتمع، عبر جعل التعليم أكثر ارتباطاً بالواقع، وأكثر قدرة على إعداد الطلاب لمتطلبات المستقبل.
في ظل هذه المعطيات، يبرز تحدي تحقيق التوازن بين الطموح الإصلاحي والواقع الصعب، حيث يتطلب نجاح المشروع بيئة داعمة تشمل المعلمين، والبنية التحتية، والاستقرار العام.
استمرار العمل في الورشة، رغم التعقيدات، يؤكد تمسكاً بدور التعليم كمدخل أساسي للنهوض، ويبرز أن الاستثمار في المعرفة خيار قائم حتى في الظروف الصعبة.
إجمالاً، يشكّل تطوير المناهج في لبنان اختباراً لقدرة الدولة على تنفيذ إصلاحات في قطاع حيوي، ويطرح في الوقت نفسه سؤالاً حول مدى إمكانية تحويل الجهود إلى تغيير فعلي ينعكس على جودة التعليم ومستقبل الأجيال. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 1