تكشف الحرب على إيران طبقة اقتصادية عميقة تتجاوز ساحات القتال والممرات البحرية، لتصل إلى قلب الأسواق المالية العالمية، حيث تتحول الأزمات إلى فرص، وتُعاد صياغة موازين الثروة على نحو غير متكافئ في هذا السياق، يبرز دور المؤسسات الاستثمارية الكبرى، وفي مقدمتها بلاك روك وفانغارد وستيت ستريت، التي تمتلك حصصاً واسعة في شركات الطاقة العالمية، وتستفيد بشكل مباشر من تقلبات أسعار النفط والغاز.
أعاد تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي أكد فيه أن ارتفاع أسعار النفط يدر أرباحاً كبيرة على بلاده، تسليط الضوء على العلاقة المعقدة بين الصراع العسكري والمصالح الاقتصادية الواقع يكشف أن الاستفادة لا تتوزع بالتساوي داخل الاقتصاد الأمريكي، بل تتركز في قطاعات محددة، خاصة الشركات الكبرى والقطاع المالي.
شهدت أسعار النفط خلال الأزمة الأخيرة ارتفاعاً حاداً تجاوز 50٪، حيث صعد سعر خام برنت من نحو 70 دولاراً إلى أكثر من 110 دولارات للبرميل خلال فترة قصيرة، قبل أن يتراجع إلى أقل من 100 دولار مع تهدئة مؤقتة، ثم يعود للارتفاع مجدداً يرتبط المسار بعوامل متشابكة، في مقدمتها التوتر في مضيق هرمز، ومحاولات فرض حصار بحري، إضافة إلى المخاوف من تعطل الإمدادات في واحدة من أهم مناطق إنتاج الطاقة في العالم.
تدفع التطورات الدول المستوردة للطاقة إلى مقدمة الخاسرين، إذ تعتمد اقتصادات كبرى في آسيا على النفط والغاز المستوردين لتلبية احتياجاتها الصناعية. ترتفع تكاليف الإنتاج والنقل، وتتسع الضغوط التضخمية، ما ينعكس مباشرة على المستهلكين. في المقابل، لا ينجو الاقتصاد العالمي من التأثير، حيث تمتد موجة الغلاء إلى مختلف القطاعات.
على الجانب الآخر، تحقق شركات النفط الأمريكية مكاسب واضحة من ارتفاع الأسعار. تنتج الولايات المتحدة نحو 13.5 مليون برميل يومياً، ما يجعلها أكبر منتج للنفط عالمياً، إضافة إلى إنتاج ضخم من الغاز يمثل نحو 22٪ من الإنتاج العالمي يمنح الحجم الكبير الشركات قدرة على الاستفادة السريعة من ارتفاع الأسعار، حيث ترتفع الإيرادات قبل أن تتأثر التكاليف التشغيلية بشكل كامل.
تجربة عام 2022 تقدم نموذجاً واضحاً، إذ بلغت أرباح شركات النفط والغاز العالمية نحو 916 مليار دولار، استحوذت الشركات الأمريكية منها على نحو 301 مليار دولار. سجلت شركات كبرى مثل إكسون موبيل أرباحاً قياسية بلغت 56 مليار دولار، بينما حققت شيفرون نحو 36.5 مليار دولار، مدفوعة بارتفاع الأسعار العالمية.
غير أن الصورة لا تكتمل عند هذا الحد، إذ يلعب القطاع المالي دوراً أكثر عمقاً في الاستفادة من الأزمات. تتحول الطاقة في الأسواق العالمية إلى أصل مالي يتم تداوله عبر العقود الآجلة والمشتقات، وليس مجرد سلعة مادية. في هذا الإطار، تؤدي بورصة شيكاغو التجارية دوراً محورياً في تداول خام غرب تكساس، بينما تُعد بورصة لندن مركزاً رئيسياً لعقود خام برنت والتأمين المرتبط بالنفط.
في الأسواق، تتحرك مليارات الدولارات خلال دقائق مع كل تطور سياسي أو عسكري. يمكن لتصريح واحد أو تسريب معلومة أن يؤدي إلى تداول ملايين البراميل في وقت قصير. في إحدى الحالات، جرى تداول نحو 6 ملايين برميل خلال أقل من 15 دقيقة، ما يبرز سرعة تحويل المعلومات إلى أرباح.
تستفيد صناديق التحوط ومديرو الأصول من البيئة عالية التقلب، حيث يمكنهم المضاربة على ارتفاع الأسعار أو انخفاضها، وتحقيق مكاسب في الاتجاهين. هنا يظهر الدور المركزي لشركات مثل بلاك روك وفانغارد وستيت ستريت، التي لا تكتفي بالاستثمار في شركات الطاقة، بل تدير أيضاً محافظ ضخمة تستفيد من أدوات التحوط والمشتقات المالية.
تمتلك الشركات حصصاً في شركات نفطية متنافسة في الوقت نفسه، ما يمنحها قدرة على تحقيق أرباح بغض النظر عن أداء شركة بعينها. يعزز النموذج من تركّز الأرباح في أيدي عدد محدود من المؤسسات.
تشير دراسات اقتصادية إلى أن توزيع الأرباح الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة يميل بشدة لصالح الفئات الأكثر ثراءً. خلال عام 2022، ذهب نحو 50٪ من الأرباح إلى أغنى 1٪ من السكان، بينما حصل أغنى 10٪ على نحو 84٪ من الإجمالي، في حين لم تتجاوز حصة النصف الأفقر 1٪ فقط.
داخل الولايات المتحدة، بلغ إجمالي أرباح قطاع النفط والغاز نحو 336 مليار دولار، ذهب منها حوالي 171 مليار دولار إلى مديري الأصول، ما يعكس حجم التركّز في النظام المالي.
يُظهر التوزيع أن أزمات الطاقة تعمل كآلية لإعادة توزيع الثروة نحو الأعلى، حيث تتراكم المكاسب في أيدي المستثمرين الكبار، بينما تتحمل الفئات ذات الدخل المحدود عبء ارتفاع الأسعار.
لا يقتصر الأمر على الأرباح المباشرة، بل يمتد إلى التحكم في مسارات السوق. تملك المؤسسات المالية القدرة على التأثير في تدفقات الاستثمار، وتوجيه رؤوس الأموال، والاستفادة من الفروق الزمنية في تداول المعلومات.
في المقابل، تبقى الفئات المتوسطة والدنيا مرتبطة بشكل غير مباشر بالأرباح عبر صناديق التقاعد أو الاستثمار، إلا أن حصتها تظل محدودة مقارنة بالمستثمرين الكبار نتيجة تركز الملكية.
تعكس المعطيات بنية اقتصادية تجعل من الأزمات الجيوسياسية فرصة لتعظيم الأرباح داخل القطاع المالي، في حين تتسع الفجوة بين من يملك الأصول ومن يتحمل التكاليف.
في ضوء ذلك، لا تبدو الحرب مجرد صراع عسكري أو سياسي، بل جزء من منظومة اقتصادية أوسع، حيث تتقاطع المصالح الجيوسياسية مع آليات السوق، وتتحول الطاقة إلى أداة لإعادة توزيع الثروة على مستوى عالمي، بما يعمّق الاختلالات القائمة ويعيد إنتاجها.