تستضيف العاصمة الأمريكية واشنطن جولة محادثات مباشرة بين إسرائيل ولبنان، تعد الأولى من نوعها منذ أكثر من أربعة عقود، في ظل تصعيد عسكري مستمر على الحدود الجنوبية للبنان، ما يضع هذه المفاوضات في سياق معقد يجمع بين العمل الدبلوماسي والضغط الميداني.
وتُعقد الاجتماعات في مقر وزارة الخارجية الأمريكية، بمشاركة ممثلين عن الجانبين، حيث يترأس الوفد الإسرائيلي السفير يحيئيل لايتر، فيما تمثل الجانب اللبناني السفيرة ندى حمدة معوض، إلى جانب حضور وسطاء أمريكيين، بينهم السفير ميشيل عيسى ومسؤولون من وزارة الخارجية.
ورغم أن حزب الله ليس طرفا مباشرا في هذه المحادثات، فإن حضوره يبقى مؤثرا في مواقف الجانب اللبناني، باعتباره طرفا أساسيا في المعادلة الأمنية على الأرض.
وتتركز أجندة المباحثات على بحث آليات خفض التصعيد على الحدود، ومحاولة التوصل إلى ترتيبات تضمن استقرارا نسبيا لوقف إطلاق النار، في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان.
وفي هذا السياق، واصل الجيش الإسرائيلي عملياته بالتزامن مع التحضير للمحادثات، حيث أعلن عن تنفيذ هجوم في منطقة بنت جبيل، التي تُعد من أبرز مناطق نفوذ حزب الله، في خطوة تعكس اعتماد مقاربة تفاوضية موازية للعمل العسكري.
كما تشير المعطيات إلى أن إسرائيل خففت بعض عملياتها في مناطق محددة، خصوصا في بيروت، استجابة لضغوط أمريكية تهدف إلى توفير بيئة مناسبة للمفاوضات، مع فرض قيود على تنفيذ أي ضربات جديدة تتطلب موافقة سياسية مسبقة.
وبحسب تقديرات متداولة، تسعى إسرائيل من خلال هذه المحادثات إلى تحقيق هدفين رئيسيين، يتمثلان في الحد من قدرات حزب الله العسكرية، والدفع نحو ترتيبات سياسية أوسع مع لبنان. إلا أن هذه الأهداف تُعد صعبة التحقيق على المدى القريب، في ظل التوازنات الداخلية اللبنانية.
في المقابل، يركز الجانب اللبناني على مطلب وقف العمليات العسكرية واستعادة الاستقرار، مع الحرص على عدم الظهور بمظهر القبول بشروط مفروضة، في ظل حساسية الوضع الداخلي وتعقيد العلاقة بين الدولة وحزب الله.
وتطرح هذه المعادلة تساؤلات حول قدرة الحكومة اللبنانية على اتخاذ خطوات مباشرة في ملف سلاح الحزب، خاصة مع وجود مخاوف من أن يؤدي أي تصعيد داخلي إلى توترات أوسع.
وفي موازاة ذلك، تعكس بعض التقديرات الإسرائيلية توجها لإجراء المفاوضات بمعزل عن دور حزب الله، مع الاستمرار في استهدافه ميدانيا، في محاولة لتغيير موازين القوى على الأرض بالتوازي مع المسار الدبلوماسي.
كما تتحدث تقارير عن تنسيق أمريكي إسرائيلي محتمل بشأن التعامل مع المناطق التي يسيطر عليها الحزب، في إطار مقاربة تدريجية تهدف إلى تقليص نفوذه.
ورغم انعقاد هذه المحادثات، تشير التقديرات إلى أن التوقعات بشأن نتائجها لا تزال محدودة، في ظل استمرار العمليات العسكرية وتعقيد الملفات المطروحة، إضافة إلى غياب توافق داخلي لبناني حول القضايا الأساسية المطروحة للنقاش.
وتُعد هذه الجولة الأولى من نوعها منذ اتفاق عام 1983، الذي لم يستمر تطبيقه، ما يعكس حساسية المسار الحالي وصعوبة تحقيق اختراق سريع في العلاقات بين الطرفين.
في المحصلة، تأتي محادثات واشنطن في إطار محاولة احتواء التصعيد، لكنها تجري في بيئة غير مستقرة، حيث يتداخل المسار السياسي مع التطورات الميدانية، ما يحد من فرص الوصول إلى نتائج حاسمة في المدى القريب.