ذاكرة الحرب في لبنان تعيد إنتاج الانقسام والخوف

2026.04.13 - 02:45
Facebook Share
طباعة

 رغم أن الحرب الأهلية اللبنانية انتهت رسميا عام 1990، فإن آثارها لا تزال حاضرة في البنية السياسية والاجتماعية في لبنان، ما يجعلها أقرب إلى ظاهرة ممتدة في الحاضر، وليست مجرد مرحلة تاريخية مغلقة.

فالحرب، التي اندلعت عام 1975، خلفت أكثر من 150 ألف قتيل وآلاف المفقودين، وتركت إرثا معقدا يتجاوز الخسائر البشرية ليشمل أنماط التفكير والعلاقات بين الدولة والمجتمع، إضافة إلى شكل النظام السياسي نفسه.

ويبرز أحد أهم هذه الآثار في غياب رواية وطنية موحدة لتلك المرحلة، إذ لا يزال اللبنانيون يعتمدون على سرديات متباينة تنقلها العائلات والأحزاب والطوائف، في ظل غياب مرجع تاريخي جامع، ما يكرس تعدد الذاكرة بدل توحيدها.

هذا التباين في قراءة الماضي انعكس على الحاضر، حيث تحولت الحرب إلى مرجعية تفسيرية تُستدعى عند كل أزمة سياسية أو أمنية، في ظل استمرار الشكوك المتبادلة بين مكونات المجتمع.

كما أثرت الحرب بشكل عميق في علاقة المواطن بالدولة، إذ تراجعت الثقة بالمؤسسات الرسمية خلال سنوات الصراع، ومع غياب الدولة في تلك المرحلة، برزت قوى طائفية وحزبية قدمت خدمات بديلة، وهو نمط استمر بعد انتهاء الحرب ضمن التسوية السياسية التي أعقبتها.

وبذلك، أصبح جزء من اللبنانيين يعتمدون على شبكات الانتماء الضيقة بدلا من المؤسسات العامة، وهو ما ساهم في إضعاف مفهوم الدولة وتعزيز أنماط الزبائنية السياسية.

في السياق نفسه، عززت الحرب حالة من الحذر المتبادل بين الجماعات، حيث لم يعد "الاختلاف" يُنظر إليه فقط كتنوع، بل كعامل تهديد محتمل في أوقات التوتر، وهو ما يظهر في أنماط السكن والتفاعل الاجتماعي، وحتى في الخطاب اليومي.

كما تركت الحرب بصماتها على الفضاء العام، خصوصا في العاصمة بيروت، حيث لا تزال آثار الانقسام الجغرافي والاجتماعي واضحة، رغم زوال خطوط التماس العسكرية. ويظهر ذلك في توزيع الأحياء واستخدام المساحات العامة، إضافة إلى حساسيات مرتبطة بالتنقل والاختلاط.

ولم تقتصر التأثيرات على البنية المادية، بل امتدت إلى اللغة اليومية، حيث لا تزال تعبيرات مرتبطة بفترة الحرب حاضرة في الخطاب العام، ما يعكس استمرار التأثير النفسي والاجتماعي للصراع.

ومن أبرز الملفات التي تعكس استمرار تداعيات الحرب قضية المفقودين والمخفيين قسرا، والتي لا تزال دون حل نهائي رغم إقرار تشريعات تهدف إلى معالجتها، ما يبقي هذا الملف مفتوحا على المستوى الإنساني والسياسي.

ويعزز هذا الواقع شعورا عاما بعدم اكتمال معالجة آثار الحرب، سواء من خلال العدالة الانتقالية أو بناء الثقة بين مكونات المجتمع، وهو ما يفسر استمرار الهشاشة في البنية الداخلية.

في الوقت ذاته، تعود المخاوف من تجدد التوترات إلى الواجهة مع كل تصعيد إقليمي، خصوصا في ظل التوترات المرتبطة بإسرائيل، والخلافات الداخلية حول قضايا سياسية وأمنية، من بينها دور حزب الله.

وتشير تقديرات إلى أن هذه المخاوف لا تعني بالضرورة عودة الحرب بالشكل الذي كانت عليه، بقدر ما تعكس استمرار العوامل التي قد تؤدي إلى عدم الاستقرار، في حال غياب معالجات جذرية للمشكلات البنيوية.

بناء على ذلك، تبدو الحرب الأهلية اللبنانية حدثا لم يُحسم بالكامل، إذ انتهت عسكريا، لكنها استمرت في تشكيل ملامح الدولة والمجتمع، في ظل غياب تسوية شاملة تعالج أسبابها ونتائجها بشكل نهائي.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 5