تشهد بلدة بنت جبيل في جنوب لبنان تصعيداً عسكرياً لافتاً، مع تكثيف الجيش الإسرائيلي قصفه الجوي والمدفعي، بالتزامن مع اقتراب موعد مفاوضات مباشرة مرتقبة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، يُنتظر أن تركز على ملف وقف إطلاق النار.
ويأتي هذا التصعيد في منطقة تحمل دلالات رمزية منذ حرب عام 2006، حيث تُعد بنت جبيل من أبرز نقاط المواجهة التاريخية بين إسرائيل وحزب الله، ما يمنح التطورات الحالية أبعاداً تتجاوز البعد الميداني إلى حسابات سياسية ومعنوية.
وبحسب تقارير إعلامية إسرائيلية، يواصل سلاح الجو تنفيذ غارات مكثفة باستخدام ذخائر ثقيلة على البلدة، في حين تعمل القوات البرية على فرض طوق حولها، مع اعتماد تكتيك القتال عن بعد والاستفادة من التفوق التكنولوجي، في محاولة للحد من الخسائر المباشرة.
ويُنظر إلى هذا التحرك على أنه جزء من مسعى إسرائيلي لتعزيز موقعه التفاوضي قبيل انطلاق محادثات واشنطن، عبر تحقيق تقدم ميداني في منطقة تُعد من معاقل حزب الله، ما قد يُستخدم كورقة ضغط على طاولة المفاوضات.
في المقابل، يسعى حزب الله إلى منع تحقيق اختراق إسرائيلي في البلدة، من خلال مواصلة القتال في محيطها واستهداف تجمعات عسكرية باستخدام الصواريخ وقذائف المدفعية، في إطار محاولة تثبيت خطوط المواجهة ومنع تغيير المعادلة الميدانية.
وتشير تقديرات عسكرية إلى أن بنت جبيل تكتسب أهمية خاصة نظراً لموقعها الجغرافي وارتفاعها الذي يصل إلى نحو 770 متراً، ما يمنحها أفضلية تكتيكية في مراقبة التحركات، إضافة إلى قربها من الحدود، وهو ما يجعل السيطرة عليها هدفاً عسكرياً ذا قيمة.
كما تُظهر التحركات الإسرائيلية إدخال وحدات مدرعة متقدمة إلى ساحة القتال، من بينها تشكيلات قتالية تُستخدم عادة في العمليات الحاسمة، ما يعكس رغبة في تحقيق نتائج ميدانية واضحة خلال فترة زمنية قصيرة.
وتتحدث تحليلات ميدانية عن محاولة تطويق البلدة عبر عدة محاور، تشمل التقدم من مناطق حدودية باتجاه عمق الجنوب، بهدف عزلها عن محيطها وتقليص قدرة المقاتلين على المناورة، وهو تكتيك يعتمد على الضغط التدريجي بدلاً من الاقتحام المباشر.
في الوقت نفسه، يمتد التصعيد إلى مناطق أخرى في جنوب لبنان، حيث سُجلت غارات على بلدات في النبطية ومحيطها، في مؤشر على اتساع نطاق العمليات العسكرية وعدم حصرها في نقطة جغرافية واحدة.
ويأتي ذلك في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان منذ مطلع مارس/آذار الماضي، والتي تشمل قصفاً جوياً ومدفعياً وتحركات برية، مقابل ردود من حزب الله تستهدف مواقع عسكرية إسرائيلية.
وتشير المعطيات إلى أن هذا التصعيد يتقاطع مع السياق الإقليمي الأوسع، بما في ذلك تعثر المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وما يرافقه من إعادة ترتيب للأولويات العسكرية والسياسية في المنطقة.
كما تتزامن هذه التطورات مع تقارير عن ضغوط أمريكية لخفض التصعيد في لبنان، بهدف الحفاظ على توازن هش في الإقليم، إلا أن وتيرة العمليات الميدانية تشير إلى استمرار الرهان على تحقيق مكاسب ميدانية قبل الدخول في أي تسوية.
وبذلك، تبدو بنت جبيل في صلب مشهد مركب يجمع بين العمل العسكري والحسابات التفاوضية، حيث تتحول المواجهة على الأرض إلى أداة لإعادة تشكيل موازين القوة، في وقت لم تتضح فيه بعد مآلات المسار السياسي المرتقب.