تشهد محافظة السويداء حالة متصاعدة من التعقيد السياسي والإداري، في ظل تداخل واضح بين القرارات المحلية والحكومية، وازدياد الاحتجاجات الشعبية المرتبطة بتدهور الأوضاع المعيشية، ما يعكس أزمة ممتدة تتعلق بطبيعة السلطة وإدارتها داخل المحافظة.
وخلال الفترة الأخيرة، خرجت احتجاجات شعبية في ساحة الكرامة بمدينة السويداء، حيث طالب المشاركون بتغيير البنية الإدارية القائمة، بما في ذلك الدعوة إلى حل “اللجنة القانونية العليا”، على خلفية تدهور الأوضاع الاقتصادية والخدمية، وفق ما أفادت به مراسلات ميدانية.
وفي تطور لاحق، أعلن الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز، حكمت الهجري، حل “اللجنة القانونية العليا” وتشكيل إطار إداري جديد تحت مسمى “مجلس الإدارة في جبل باشان”، في خطوة عكست انتقالا في بنية القرار المحلي داخل المحافظة.
بالتوازي مع ذلك، أصدر محافظ السويداء قرارا بتعيين إدارة جديدة لمجلس مدينة السويداء، دون توضيح تفاصيل موسعة حول آلية القرار، في وقت تستمر فيه الرئاسة الروحية بلعب دور محوري في إدارة شؤون المدينة.
هذا التداخل بين المرجعيات المحلية والقرارات الحكومية يسلط الضوء على حالة من ازدواجية القرار، حيث تتعدد مراكز النفوذ داخل المحافظة، ما ينعكس على مستوى الاستقرار الإداري ويزيد من حالة الغموض بشأن مستقبل الإدارة المحلية.
في هذا السياق، يرى باحثون أن الاحتجاجات الأخيرة شكلت نقطة تحول في المزاج الشعبي، إذ عبّرت عن تراجع في مستوى الثقة بالقوى المحلية المسيطرة، ودفع ذلك إلى إعادة ترتيب بعض الأطر الإدارية في محاولة لاحتواء حالة الاحتقان المتزايد.
كما يشير بعض التحليل إلى أن التحركات الإدارية الأخيرة جاءت في إطار محاولة الحفاظ على دور المرجعيات الاجتماعية والدينية، التي ما تزال تتمتع بثقل كبير داخل المجتمع المحلي، رغم تصاعد المطالب بالتغيير.
في المقابل، يرى ناشطون أن بعض القرارات المتعلقة بحل وتشكيل هيئات محلية لا تمس جوهر المشكلة، بل تعيد إنتاجها بشكل مختلف، دون معالجة الأسباب الأساسية للأزمة المعيشية والسياسية.
وعلى مستوى العلاقة مع الحكومة المركزية، تبرز إشكالية متكررة تتعلق بقرارات التعيين الرسمية، التي غالبا ما تواجه رفضا أو اعتراضا ميدانيا داخل السويداء، ما يعكس فجوة واضحة بين مركز القرار في دمشق والواقع المحلي في المحافظة.
وقد تجلى ذلك في حادثة تتعلق بتعيين إداري في قطاع التربية، حيث قوبل القرار برد فعل ميداني رافض، انتهى بتوتر أمني داخل المديرية، ما أدى إلى تراجع المسؤول المعين عن مهامه، وهو ما يعكس حساسية هذا الملف في السياق المحلي.
وتشير هذه التطورات إلى أن فرض التعيينات من المركز غالبا ما يُنظر إليه محليا كإجراء غير متوافق مع الواقع الاجتماعي، ما يؤدي إلى ردود فعل عكسية، في ظل غياب توافقات سياسية واضحة تنظم العلاقة بين الطرفين.
في المقابل، ترى الحكومة أن استمرار إصدار التعيينات يهدف إلى تثبيت الإطار الإداري الرسمي وربط المؤسسات المحلية بالدولة، بما يضمن استمرار الخدمات العامة، رغم التحديات الميدانية.
غير أن هذا التباين في الرؤية يساهم في تعميق حالة التوتر، ويزيد من تعقيد العلاقة بين المجتمع المحلي والسلطة المركزية، في ظل غياب آليات واضحة لتسوية الخلافات الإدارية.
وعلى المستوى العام، يرى محللون أن ملف السويداء دخل مرحلة “اللا حسم”، نتيجة تداخل العوامل السياسية والأمنية والاجتماعية، ما جعل الوصول إلى حل شامل أمرا معقدا.
فمن جهة، لم تنجح الدولة في فرض سيطرة إدارية كاملة ومستقرة، ومن جهة أخرى، لم تتمكن القوى المحلية من إنتاج نموذج حكم متماسك قادر على إدارة شؤون المحافظة بشكل مستدام.
هذا الجمود أدى إلى حالة من التراكم في الأزمات، سواء على مستوى الخدمات أو الاقتصاد أو البنية الأمنية، ما انعكس بشكل مباشر على حياة السكان ورفع منسوب التوتر الاجتماعي.
وفي ظل هذا الواقع، تتزايد الدعوات إلى إيجاد مقاربات جديدة تقوم على التسوية التدريجية، بدل الحلول الفورية، بما يتيح بناء تفاهمات بين مختلف الأطراف، تضمن الحد الأدنى من الاستقرار.
كما تطرح بعض الرؤى ضرورة إنشاء نموذج إدارة محلية ضمن إطار الدولة، يضمن مشاركة أوسع لأهالي المحافظة في صنع القرار، بما يعزز الشعور بالشراكة ويقلل من حدة الانقسام.
وتتضمن بعض المبادرات المدنية طرحا لتشكيل أطر تنظيمية جديدة تهدف إلى معالجة الملفات الخدمية والإنسانية بشكل عملي، بعيدا عن الاستقطاب السياسي، مع التركيز على التعليم والخدمات والعدالة.
في المحصلة، تعكس التطورات في السويداء مشهدا معقدا يتسم بتعدد مراكز القرار وتضارب الصلاحيات، في ظل غياب تسوية سياسية واضحة، ما يجعل المحافظة عالقة في حالة مستمرة من التوتر الإداري والسياسي، مع بقاء الحلول مرهونة بتفاهمات أوسع بين مختلف الأطراف.