تصاعدت حدة الغارات الجوية الإسرائيلية على لبنان يوم الأربعاء، حيث أعلنت تل أبيب استهداف نحو 100 موقع خلال عشرة دقائق فقط، ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى، وفق أرقام الدفاع المدني اللبناني. هذه العملية أثارت تساؤلات حول طبيعة الأهداف ومدى تبريرها، في وقت تركزت الأنظار على التحولات الإقليمية بعد التوصل إلى هدنة بين الولايات المتحدة وإيران.
الشكوك حول طبيعة الأهداف
العميد حسن جوني، خبير عسكري لبناني، أعرب عن شكوكه بشأن الرواية الإسرائيلية، مشيرا إلى أن هذه الغارات "لا يمكن تصنيفها كعمليات عسكرية تقليدية"، بل قد تكون استهدافاً مباشراً للمدنيين. وتساءل جوني عن قدرة إسرائيل على اكتشاف 100 هدف جديد في لبنان خلال فترة زمنية قصيرة، رغم تنفيذها ضربات مستمرة منذ بداية الحرب. وأضاف أن توقيت الهجوم يشير إلى احتمال أن تكون هذه الأهداف محفوظة ضمن "بنك أهداف" معدّ لاستخدامه في لحظة سياسية وعسكرية محددة، ما يثير تساؤلات حول شفافية التصعيد وأهدافه الحقيقية.
حصيلة الضحايا
أعلنت وزارة الصحة اللبنانية سقوط 182 قتيلاً و890 مصاباً في حصيلة غير نهائية للغارات الإسرائيلية، في حين تحدث الدفاع المدني عن 254 قتيلاً و1165 جريحاً، ما يعكس حجم الأضرار البشرية الكبيرة التي خلّفتها الضربات في فترة قصيرة. وقد شملت الغارات شققا سكنية ومباني مدنية، بالإضافة إلى ما أعلنت إسرائيل أنه مقرات لحزب الله.
إستراتيجية "فصل الساحات"
يرى المحللون العسكريون أن هذه الغارات تأتي ضمن استراتيجية إسرائيلية جديدة تهدف إلى فصل لبنان عن بقية الجبهات، في مقابل ما تسميه إيران ومؤيديها "وحدة الساحات". الهدف الإسرائيلي، وفق تصريح وزير الدفاع يسرائيل كاتس، هو إعادة صياغة المشهد العسكري والسياسي اللبناني، من خلال ضرب البنية التحتية والمقرات العسكرية لحزب الله، وإضعاف البيئة الحاضنة له، مع محاولة التأثير على الداخل اللبناني.
العميد جوني أشار إلى أن التصعيد الأخير لا يمثل عملية عسكرية منفصلة، بل جزء من استراتيجية متعددة الأبعاد تهدف إلى الضغط السياسي والاجتماعي داخل لبنان، وتحضير البيئة المحلية لتغيير المواقف تجاه حزب الله ودوره في المواجهة. وأضاف أن إسرائيل سبق أن أقرت بعدم قدرتها على القضاء على حزب الله بالعمل العسكري وحده، مما يجعل هذا التصعيد أداة ضغط سياسية بقدر ما هو عمل عسكري.
تأثير الهدنة الإيرانية
دخلت الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران حيز التنفيذ يوم الأربعاء، وهو ما جعل إسرائيل تسعى إلى تكريس معادلة "فصل الساحات"، بينما التزمت إيران وحزب الله بتقليص العمليات المباشرة ضمن حدود الاتفاق، رغم استمرار التصعيد الإسرائيلي على لبنان. حزب الله اعتمد في البداية تكتيك "الصمت الميداني"، ليتجنب الانخراط في مواجهات مباشرة ويثبت التزامه بالهدنة، إلا أن التصعيد الإسرائيلي سرعان ما دفع الحزب إلى الرد بإطلاق صواريخ على مستوطنة "المنارة" شمالي إسرائيل، معلناً أن الرد سيستمر حتى توقف ما وصفه بـ"العدوان الإسرائيلي الأمريكي".
التحليل السياسي
يمثل هذا التصعيد اختباراً لمبدأ "وحدة الساحات" الذي تسعى إيران إلى تثبيته، إذ يشير استمرار الغارات الإسرائيلية على لبنان بينما توقفت العمليات على الأراضي الإيرانية إلى محاولة فصل الجبهات وإضعاف التنسيق بين حلفاء طهران. كما يعكس هذا التحرك الاستراتيجي الإسرائيلي رغبة في خلق واقع ميداني جديد يفرض تفاوتاً في معالجة النزاعات وفق كل جبهة، بما يضعف موقف حزب الله لبنانياً وإقليمياً.
قراءة الخبراء
الخبراء العسكريون والباحثون في الشؤون الإقليمية يعتبرون أن التصعيد في لبنان يعكس إعادة ترتيب أولويات إسرائيلية، حيث تسعى تل أبيب إلى استغلال هدنة إيران لإعادة تكوين التوازنات الإقليمية، مع التركيز على البيئة السياسية والاجتماعية في لبنان. وتأتي هذه الضربات ضمن سياق سياسي أوسع، يهدف إلى الضغط على حزب الله والمجتمع اللبناني للقبول بتغييرات استراتيجية في المنطقة الجنوبية من لبنان.
الخلاصة
الغارات الإسرائيلية الأخيرة على لبنان أثارت جدلاً واسعاً بشأن طبيعة الأهداف، ودقة الرواية الرسمية الإسرائيلية، ومدى التزامها بالقوانين الدولية المتعلقة بالمدنيين والبنية التحتية. وفي الوقت نفسه، يبدو أن "وحدة الساحات" التي تروج لها إيران وحزب الله تواجه أقسى اختبار لها، وسط محاولات إسرائيلية لاستغلال الهدنة لتحقيق أهداف سياسية وميدانية، ما يضع لبنان في قلب التحديات الإقليمية المعقدة.