أعلن رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، مساء الأربعاء، أن مسار وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة فقد قيمته العملية بعد تسجيل خروقات أساسية ضمن الإطار الذي طُرح أساساً لبدء المفاوضات، معتبراً أن استمرار هذه التطورات يضعف فرص التقدم نحو أي تسوية سياسية بين الجانبين.
وأوضح قاليباف، في بيان نشره باللغة الإنجليزية عبر منصة "إكس"، أن المقترح الإيراني المؤلف من عشرة بنود، والذي جرى تقديمه كأساس عملي للمحادثات، تعرّض لتجاوزات واضحة طاولت ثلاثة بنود رئيسية وأشار إلى أن طهران تعاملت منذ البداية مع هذا المسار بحذر، في ظل تجارب سابقة أثارت شكوكاً حول جدية الالتزام، إلا أن التطورات الأخيرة عمّقت هذا التوجس.
وبيّن أن أولى النقاط تتعلق بوقف إطلاق النار في لبنان، وهو بند جرى التأكيد عليه ضمن التفاهمات التي تمت بوساطة باكستانية، وشمل مختلف ساحات التوتر في المنطقة. غير أن استمرار الضربات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، والتي طاولت العاصمة بيروت ومناطق في الجنوب والبقاع، يشكل برأيه تجاوزاً مباشراً لهذا الالتزام، خاصة مع ارتفاع أعداد الضحايا واتساع رقعة الدمار في مناطق مدنية.
أما النقطة الثانية، فترتبط بالسيادة الجوية الإيرانية، حيث أشار إلى حادثة اختراق المجال الجوي بواسطة طائرة مسيّرة جرى إسقاطها في مدينة لار بمحافظة فارس. اعتبر أن هذه الحادثة تمثل إخلالاً واضحاً ببند ينص على وقف أي نشاط عسكري داخل الأجواء الإيرانية خلال فترة التهدئة، وهو ما يزيد من حدة التوتر ويقوض أجواء الثقة المطلوبة لأي مسار سياسي.
وفي ما يتعلق بالنقطة الثالثة، لفت إلى أن المواقف الأمريكية الرافضة لحق إيران في تخصيب اليورانيوم تتعارض مع ما ورد في الإطار التفاوضي، خصوصاً البند الذي يتناول الحقوق النووية. وأكد أن طرح شروط جديدة خارج ما تم التوافق عليه يعقّد المشهد ويزيد من صعوبة الوصول إلى تفاهمات متوازنة.
شدد قاليباف على أن تراكم هذه التطورات يفقد وقف إطلاق النار معناه، ويجعل الاستمرار في التفاوض أمراً غير مجدٍ في ظل غياب الالتزام المتبادل، مؤكداً أن أي حوار يجب أن يقوم على أسس واضحة واحترام كامل للاتفاقات المطروحة.
في المقابل، تعكس التصريحات الأمريكية استمرار الفجوة بين الطرفين، إذ أعلن الرئيس دونالد ترامب أن بلاده لن تسمح لإيران بمواصلة تخصيب اليورانيوم، مشيراً إلى أن واشنطن تسعى إلى إعادة ترتيب الملف النووي بشكل كامل. كما تحدث عن تحقيق تقدم في مسار التعامل مع إيران، في إشارة إلى الضغوط السياسية والعسكرية التي رافقت المرحلة الماضية.
من جهته، أكد وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث أن الولايات المتحدة مستمرة في مراقبة الوضع عن كثب، مع إبقاء قواتها في المنطقة لضمان تنفيذ الالتزامات المرتبطة بوقف إطلاق النار، مشدداً على استعداد بلاده لاتخاذ خطوات إضافية في حال عدم الالتزام بالمسار المطروح.
تتزامن هذه المواقف مع مرحلة دقيقة تشهدها المنطقة، حيث أُعلنت هدنة مؤقتة لمدة أسبوعين بوساطة باكستانية، بهدف فتح الباب أمام مفاوضات أوسع غير أن استمرار العمليات العسكرية في بعض الجبهات، إلى جانب التصعيد السياسي، يطرح تساؤلات جدية حول قدرة هذه الهدنة على الصمود.
كما يبرز عامل إقليمي إضافي يتمثل في استمرار التوتر على الساحة اللبنانية، والذي قد يتحول إلى نقطة اختبار حاسمة لمسار التهدئة ككل، في ظل تباين المواقف بشأن شمول لبنان بأي اتفاق.
ويعكس هذا الواقع تعقيد المرحلة الحالية، حيث تتداخل الاعتبارات الميدانية مع الحسابات السياسية والدبلوماسية، في ظل غياب أرضية مشتركة واضحة بين الأطراف المعنية. ويجعل ذلك مستقبل المفاوضات مفتوحاً على عدة سيناريوهات، تتراوح بين العودة إلى التصعيد أو محاولة إعادة ضبط المسار السياسي وفق شروط جديدة تفرضها التطورات على الأرض.