دخل ملف تفجير مرفأ بيروت مرحلة قضائية جديدة، مع بدء الهيئة العامة لمحكمة التمييز إصدار أحكام متتالية في دعاوى المخاصمة المقدّمة ضد المحقق العدلي القاضي طارق البيطار وسلفه القاضي فادي صوان، إلى جانب قضاة آخرين تولّوا البت في طلبات الرد.
تزامن ذلك مع وضع النيابة العامة التمييزية يدها على الملف تمهيداً لإبداء رأيها القانوني، عقب إنهاء القاضي طارق البيطار تحقيقاته وختمها رسمياً، في خطوة مفصلية ضمن مسار القضية المستمرة منذ انفجار 4 أغسطس/آب 2020.
في هذا السياق، باشرت الهيئة العامة لمحكمة التمييز، برئاسة القاضي سهيل عبود وعضوية رؤساء غرف محاكم التمييز العشرة، البت في دعاوى المخاصمة، إذ أصدرت منذ فبراير/شباط وحتى 30 مارس/آذار 3 أحكام متتالية، انتهت جميعها إلى عدم القبول، مع فرض غرامات وتعويضات مالية على مقدّميها.
الحكم الأول صدر بالإجماع في الدعوى المقدّمة من النائبين علي حسن خليل وغازي زعيتر، وهما من المدعى عليهم في ملف المرفأ، ضد رئيس الغرفة الأولى لمحكمة التمييز القاضي ناجي عيد، الذي كُلّف النظر في طلب ردّ المحقق العدلي. واعتبر المدعيان أن ما صدر عن الغرفة الأولى شابه خلل في إجراءات التبليغ، إضافة إلى وجود موقف مسبق لدى القاضي.
غير أن الهيئة رأت أن إجراءات التبليغ تندرج ضمن الإدارة القضائية، ولا تشكّل أساساً لقبول مخاصمة الدولة، كما اعتبرت أن الادعاء بوجود موقف مسبق لا يغيّر من طبيعة الإجراء المتخذ. وبناء على ذلك، قضت برد الدعوى، مع إلزام كل من خليل وزعيتر بدفع 100 مليون ليرة كتعويض للدولة، إلى جانب غرامة بالقيمة نفسها، وتحميلهما النفقات ومصادرة التأمين.
أما الحكم الثاني، فارتبط بمراجعة تقدّم بها المدير العام السابق للجمارك بدري ضاهر ضد القاضي فادي صوان، طعناً بقرار توقيفه الذي اعتبره غير قانوني. وخلصت الهيئة إلى عدم قبول الطلب، مؤكدة أن قرار التوقيف لا يدخل ضمن صلاحياتها، وأن الاعتراض يجب أن يُقدَّم أمام الجهة القضائية المختصة.
قضى القرار بإلزام ضاهر بدفع 100 مليون ليرة كتعويض للدولة، إضافة إلى غرامة مماثلة، في توجه يعكس حرص المحكمة على ضبط مسارات الطعن ومنع تعطيل الإجراءات القضائية عبر هذا النوع من الدعاوى.
وفي الحكم الثالث، نظرت الهيئة في الدعوى المقدّمة من الوزير السابق يوسف فنيانوس ضد القاضي طارق البيطار، والتي استندت إلى مزاعم تتعلق بمخالفات دستورية وإجرائية، من بينها آلية ملاحقته كوزير وكمحامٍ، إلى جانب إصدار مذكرة توقيف غيابية بحقه.
ورأت الهيئة أن هذه النقاط لا تندرج ضمن نطاق مخاصمة الدولة عن أعمال القضاة العدليين، مشددة على أن التدابير المتخذة في هذا الإطار لا تقبل الطعن عبر هذا المسار، مع التأكيد على حق المدعي في مراجعة المراجع القضائية المختصة وفق الأصول.
انتهى الحكم إلى رد الدعوى، مع إلزام فنيانوس بدفع 100 مليون ليرة كتعويض للدولة، إضافة إلى غرامة بالقيمة نفسها.
تبين هذه الأحكام توجهاً قضائياً واضحاً نحو حصر الطعون ضمن الأطر القانونية المحددة، ومنع استخدام دعاوى المخاصمة كوسيلة لتعطيل التحقيق، ما يمهّد لمرحلة جديدة بعد استكمال التحقيقات، بانتظار ما ستخلص إليه النيابة العامة التمييزية في رأيها المرتقب.