مع دخول المواجهات بين حزب الله وقوات الاحتلال الشهر الثاني، أظهرت العمليات الأخيرة قدرة الحزب على إدارة جبهة واسعة ومعقدة، وتعكس استراتيجيته في تثبيت «الكلفة العالية» على الجانب الإسرائيلي، من خلال الجمع بين عمليات دفاعية برية وصواريخ واستهداف العمق الاستراتيجي، وعرقلة حرية حركة الطيران المعادي.
شهدت المواجهات الأخيرة تصدياً ملحوظاً لسلاح الجو الإسرائيلي، حيث أسقط حزب الله المسيرة الاستراتيجية «هرمز 450» من نوع «زيك» فوق عيناتا، مستهدفاً منظومة الرصد والاغتيالات، كما أعلن إصابة مروحية في أجواء يارون، وتكرر استهداف الطائرات الحربية بصواريخ أرض-جو، ما ساهم في فرض قيود على حرية الحركة الجوية وفرض «منطقة حظر نار» جزئية فوق محاور الاشتباك.
تواصلت ضربات حزب الله ضمن حملة «خيبر 2»، مستهدفة مواقع استراتيجية في عمق الأراضي المحتلة. شملت الضربات مواقع مرتبطة بالصناعات العسكرية في يوديفات شرق حيفا، ومخازن استراتيجية في نيمرا ومحانييم وعميعاد، التي تشكل ركائز أساسية في الإمداد اللوجستي للقوات الإسرائيلية في الجبهة الشمالية. كما طالت الضربات قاعدة ميرون في جبل نيريا، بهدف إضعاف القدرات التقنية وتعطيل منظومات القيادة والسيطرة الجوية.
على الأرض، تتواصل الاشتباكات العنيفة ضمن «جغرافيا الاشتباك الساخن»، خصوصاً في القنطرة، حيث تعرضت القوات الإسرائيلية لسلسلة استهدافات متعددة، ما يوحي بوقوعها في كمين واسع النطاق. وفي بلدة شمع، بلغت المواجهات مستوى الاشتباك المباشر من مسافات قريبة، بينما شهدت تلة فريز في عيناتا عمليات استهداف للمدرعات، بما في ذلك دبابات الميركافا، عبر المحلّقات الانقضاضية والصواريخ، ما أظهر محدودية قدرة القوات الإسرائيلية على تأمين تفوقها في المناطق المرتفعة.
تعتمد تكتيكات حزب الله أسلوب «الإغراق والتنويع»، حيث أصبحت المسيّرات الانقضاضية أداة دقيقة وفعالة في استهداف التجمعات، مع كلفة تشغيل منخفضة، كما في دير سريان والبياضة. في المقابل، استعادت المدفعية دورها في قصف الأهداف القريبة والمباشرة، مع تكثيف استهداف مستوطنة كريات شمونة بعدة ضربات في يوم واحد، في إطار رد متوازن على قصف المدنيين وفرض توازن ميداني قائم على «التهجير مقابل التهجير».
تشير المعطيات إلى أن منظومة القيادة والسيطرة لحزب الله تعمل بكفاءة عالية، رغم تلقيها ضربة باغتيال القائد الميداني يوسف هاشم (السيد صادق)، فيما تستمر الجبهة في إدارة بيانات العمليات بدقة وتعدد، ويظهر أن محاولات الاحتلال «تطهير» المناطق الحدودية لم تحقق السيطرة الكاملة، مع استمرار إطلاق الصواريخ من مواقع قريبة وخلف خطوط التوغل. الكلفة على الجانب الإسرائيلي تتصاعد على المستويات البشرية والتقنية والجوية، في ظل مواجهة مرنة يصعب حسمها بسرعة.
من الجانب الإسرائيلي، لم تسجل القوات تقدماً ميدانيًا ملموسًا رغم استمرار عملياتها لليوم الرابع، بينما شهد محور الخيام تصعيداً جراء الاشتباكات لمنع التمدد نحو الواجهة الغربية والسهل المحاذي لجديدة مرجعيون، مع تمركز مجموعات من حزب الله خلف نقاط القوات الإسرائيلية.
في الناقورة، نفذت القوات الإسرائيلية عمليات تفجير لمنازل وأحياء سكنية حول المقبرة وتعاونية الصيادين، بينما تمركزت آلياتها في عيناتا والسدر ومرتفعات فريز. رغم ذلك، لم يسجل أي تقدم باتجاه مناطق السيطرة الفعلية، مع استمرار الجيش اللبناني في التراجع من مراكزه المحيطة بمحور عيناتا - بنت جبيل، وإخلاء مركزيه في بيت ياحون وبرعشيت.
أظهر انسحاب الجيش وقوى الأمن الداخلي من رميش وعين إبل تبعات خطيرة على الوضع الأمني، مع استمرار بعض العناصر المحلية في تشغيل المخافر والحواجز دون ارتداء الزي العسكري، بالتزامن مع تفجيرات إضافية في حي المعصرة في دبل، إضافة إلى مزرعة وخمسة منازل بين دبل والقوزح.
تفاقمت أزمة المستوطنين في الشمال مع استمرار سقوط الصواريخ، ما دفع رئيس المجلس الإقليمي للجليل الأعلى، آساف لنغلبن، للتأكيد على ضعف الأمن وغياب حماية المدارس والملاجئ، مع الإشارة إلى أن حزب الله لا يزال قويًا رغم الإعلان عن ردعه.
عائلات جنود في لواء «الناحال» عبرت عن قلقها من عدم الأمان في لبنان ونقص الدعم الجوي، فيما اعتبر اللواء الاحتياط غرشون هكوهين أن الوضع يعكس قدرة حزب الله على التعافي سريعاً بعد اتفاق وقف إطلاق النار، مع تطوير تكتيكات جديدة مستفيدة من دروس الحرب في أوكرانيا، بما يشمل الاستخدام المكثف للمسيّرات والطائرات الانقضاضية.