تخوض الولايات المتحدة مباحثات مع الدنمارك للحصول على إمكانية الوصول إلى ثلاث قواعد إضافية في غرينلاند، من بينها موقعان سبق أن استخدمتهما القوات الأمريكية قبل التخلي عنهما، في خطوة تمثل أول توسع عسكري لواشنطن في الجزيرة منذ عقود، وتعكس استمرار اهتمام الرئيس دونالد ترامب بهذه المنطقة القطبية الاستراتيجية.
وفي هذا الإطار، أعلن قائد القيادة الشمالية الأمريكية، الجنرال غريغوري إم. غيلو، أن الجيش الأمريكي يسعى إلى توسيع نطاق وصوله إلى مواقع متعددة داخل غرينلاند، في ظل ما وصفه بتزايد التهديدات وتعاظم الأهمية الجيوسياسية للجزيرة.
وأضاف غيلو أنه يعمل بالتنسيق مع الجهات المعنية داخل الحكومة الأمريكية على تطوير بنية تحتية إضافية تشمل موانئ ومطارات، بما يتيح خيارات أوسع لصنّاع القرار في واشنطن، سواء على المستوى العسكري أو السياسي، عند الحاجة إلى التحرك في منطقة القطب الشمالي.
ويضع هذا التوجه الدنمارك أمام معادلة معقدة، إذ تتمتع غرينلاند بوضع حكم شبه ذاتي رغم بقائها جزءاً من المملكة الدنماركية منذ أكثر من ثلاثة قرون، في وقت كان فيه ترامب قد عبّر سابقاً عن رغبته بضم الجزيرة، ملوّحاً باستخدام القوة لفترة قبل أن يتراجع عن ذلك في يناير الماضي.
وفي مواجهة تلك الطروحات، استندت الحكومة الدنماركية إلى اتفاقية الدفاع الموقعة مع الولايات المتحدة عام 1951، مؤكدة أن واشنطن تمتلك بالفعل حضوراً عسكرياً واسعاً داخل الجزيرة.
غير أن المسؤولين الأمريكيين عادوا لاستخدام الاتفاقية ذاتها كإطار قانوني لتوسيع نفوذهم العسكري، في وقت يرى فيه باحثون أن قدرة كوبنهاغن على عرقلة هذه التحركات محدودة، خاصة في ظل تراجع مستوى الثقة بينها وبين واشنطن، إن لم يكن قد تلاشى بالفعل.
وبحسب المتحدثة باسم القيادة الشمالية الأمريكية، الملازم أول تيريزا سي ميدوز، فإن الخطط العسكرية تركز على منطقتي نارسارسواك جنوب غرينلاند، التي تتميز بميناء عميق، وكانغيرلوسواك جنوب غرب الجزيرة، والتي تضم مدرجاً قادراً على استقبال الطائرات الثقيلة.
ويحمل الموقعان أهمية تاريخية، إذ شكلا قواعد أمريكية خلال الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، قبل أن يتم تسليمهما للسلطات الدنماركية والغرينلاندية، بعد انسحاب القوات الأمريكية من نارسارسواك في خمسينيات القرن الماضي، ومن كانغيرلوسواك في تسعينياته.
ورغم تفكيك أجزاء واسعة من البنية التحتية العسكرية في هذين الموقعين، إلا أنهما لا يزالان يحتفظان بمطارات صغيرة قيد التشغيل.
ولم يكشف مسؤولو البنتاغون حتى الآن عن حجم القوات التي قد تُنشر في غرينلاند، غير أن الجنرال غيلو ألمح إلى الحاجة لوجود وحدات من القوات الخاصة إلى جانب قدرات بحرية.
وتشير المعطيات إلى أن المفاوضات بين الجانبين تسير بسلاسة حتى الآن، حيث استند غيلو إلى اتفاقية 1951 خلال شهادته أمام الكونغرس، وعند سؤاله من قبل مشرعين ديمقراطيين حول ما إذا كانت هناك اعتراضات من الدنمارك أو غرينلاند، أكد عدم وجود أي عوائق تُذكر.
وتمنح اتفاقية الدفاع لعام 1951، إلى جانب تحديثها في 2004، الولايات المتحدة هامش حركة واسع، إذ تنص على ضرورة "التشاور" مع الدنمارك وغرينلاند وإبلاغهما قبل إدخال تغييرات كبيرة على الوجود العسكري، دون اشتراط الحصول على موافقة صريحة.
ويرى باحثون أن هذا الإطار القانوني يمنح واشنطن قدرة شبه مطلقة على تنفيذ خططها، مع الاكتفاء بإخطار الجانب الدنماركي والغرينلاندي في مراحل لاحقة.