شهدت سوريا خلال الأسابيع الأخيرة تصعيدًا واضحًا في نشاط خلايا تنظيم الدولة الإسلامية، تزامن مع صدور تسجيل صوتي منسوب للمتحدث الرسمي للتنظيم، أبو حذيفة الأنصاري، في 21 شباط الماضي، وهو أول ظهور له منذ عامين. يأتي هذا التصعيد في مرحلة دقيقة تشهدها البلاد، مع بسط الحكومة السورية سيطرتها على مناطق واسعة كانت تحت إدارة قوات سوريا الديمقراطية، ما خلق فراغًا أمنيًا استغله التنظيم لمحاولة إعادة تموضعه.
ويظهر التسجيل الصوتي للأنصاري محاولة للتأكيد على استمرار وجود التنظيم في المشهد السوري، متحدثًا عن "علمانية" الحكومة ومحاولًا تأطير الصراع وفق روايته الأيديولوجية، لكن التفسيرات حول هذا التسجيل تختلف بين الباحثين. عبد الرحمن الحاج، أكاديمي متخصص في الجماعات الجهادية، اعتبر أن التسجيل جاء نتيجة عوامل عدة، بينها انضمام الحكومة للتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، وشعور التنظيم بالإحباط من نجاح الرئيس أحمد الشرع في بسط السيطرة على كامل الأراضي السورية. وأضاف أن التنظيم يحاول بث رسالة أمل من خلال خطاب صحيفة "النبأ"، مفادها أن انتصار الحكومة على قسد لا يعني نهاية مشروع التنظيم.
في المقابل، يرى الباحث عرابي عرابي أن التسجيل الصوتي علامة ضعف أكثر من كونه دليل قوة، فيما يشير عباس شريفة، الباحث في الفكر الإسلامي، إلى أن الخطاب الإعلامي يعكس عدم قدرة التنظيم على التواصل المباشر مع عناصره، مستهدفًا الذئاب المنفردة دون وجود قواعد مركزية واضحة للقيادة.
وفي الوقت نفسه، تبنى التنظيم سلسلة من الهجمات على حواجز أمنية في ريف حلب والرقة ودير الزور والبادية السورية. ويشير عبد الرحمن الحاج إلى أن هذه العمليات تركزت في المناطق التي كان التنظيم نشطًا فيها سابقًا، مرتبطة بهروب عناصر من سجون ومخيمات قسد، بالإضافة إلى دوافع متعلقة بالتحاق الحكومة بالتحالف الدولي. بينما يرى عرابي أن العمليات منفصلة عن السياق العام للتنظيم، مشيرًا إلى أنه رغم تصاعد التنظيم في مناطق أخرى مثل أفغانستان ونيجيريا والساحل، فإن وضعه في العراق وسوريا يتسم بالضعف نتيجة تفكك القيادات ووجود أجهزة أمنية محترفة ورفض اجتماعي لحضوره. عباس شريفة يؤكد أن الأهداف المستهدفة ليست حساسة أو نوعية بالنسبة للدولة السورية، وتعتمد غالبًا على الذئاب المنفردة لتحقيق حضور إعلامي أكثر من التأثير العسكري.
يشكل فرار آلاف المحتجزين من مخيم الهول وسجون قسد مصدر قلق كبير، إذ يمكن أن يعزز التحاق بعضهم بالتنظيم. ويشير عبد الرحمن الحاج إلى أن معظم الموجودين في المخيمات هم ضحايا التنظيم، لكن السياسات القاسية لقسد دفعت بعضهم لتبني الفكر المتطرف، خصوصًا الأطفال الذين نشأوا داخل هذه المخيمات. وحذر من أن نقل بعض هؤلاء إلى مناطق جديدة دون إعادة تأهيلهم قد يشكل تهديدًا لاحقًا. عباس شريفة يرى أن الوقت لم يكن كافيًا لدمج المقاتلين الهاربين في البنية السرية للتنظيم، لكنه لا يستبعد تصاعده جزئيًا في المستقبل بسبب هذه العناصر.
مع تراجع سيطرته الجغرافية، يعتمد التنظيم الآن استراتيجية اللامركزية، مع تركيز عملياته في المراكز الحضرية لتقليل التكلفة وزيادة التأثير، كما يوضح عبد الرحمن الحاج. عرابي يشير إلى أن التنظيم انتقل إلى ولايات غير مترابطة جغرافيًا، ويعمل من خلال خلايا متقطعة وغير متواصلة، مع محاولة السيطرة على بعض المناطق ليلاً في البادية السورية، في حين يؤكد عباس شريفة أن التنظيم يسعى للتواجد في مناطق ذات كثافة سكانية منخفضة لتجنب الأجهزة الأمنية.
رغم ذلك، يبدي الباحثون تفاؤلًا بقدرة الدولة السورية على احتواء خطر التنظيم، مستندين إلى الخبرات المتراكمة والتحالفات الدولية الجديدة. ويشير عباس شريفة إلى أكثر من عشر عمليات مشتركة مع التحالف الدولي خلال 2025، موضحًا أن التعاون العملياتي والاستخباراتي مهم لمؤسسات الأمن السورية الحديثة. عرابي يؤكد أن الجهات الأمنية المحترفة والرفض الاجتماعي لحضور التنظيم يشكلان عامل ضغط إضافي عليه، بينما يحذر عبد الرحمن الحاج من تأثير العمليات الحالية على الصورة الدولية للحكومة السورية، لكنه يعتبرها غير مهددة للنظام نفسه.
أما الإجراءات المطلوبة لتعزيز الأمن، فتتضمن استراتيجية متعددة الأبعاد تشمل الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وليس البعد الأمني فقط، وفق شريفة، مع التركيز على تحصين المجتمع من التطرف وربط التنمية الاقتصادية بمكافحة الفقر. الحاج يشدد على ضرورة إبعاد العناصر المشتبه بتعاطفها مع التنظيم ومعالجة الصراع الفكري بين الإسلام والأفكار الراديكالية، بينما يرى عرابي أن تطوير العمل الاستخباراتي ومكافحة التمويل وتفعيل التنمية في المناطق الحاضنة يشكل عاملًا حاسمًا.
في النهاية، يتفق الباحثون على أن سيناريو عودة التنظيم للسيطرة على مساحات جغرافية واسعة في سوريا يبدو مستبعدًا. شريفة يشير إلى غياب مؤشرات نية التنظيم للسيطرة على مناطق محددة، فيما يرى الحاج أن التصعيد الحالي محاولة للتأثير على الحكم لكنه يفتقد القدرة على التمكين. عرابي يؤكد أن الهدف من العمليات الحالية هو إظهار وجود التنظيم وفاعليته، لكن أي نجاح صغير قد يعيد النزاع إلى المشهد السوري ويزيد التعقيدات الإقليمية والدولية.