يدخل لبنان مرحلة دقيقة تتداخل فيها الجبهة العسكرية مع أزمة سياسية داخلية معقّدة، في ظل اشتداد المواجهة جنوباً وتفاقم الخلاف داخل مؤسسات الحكم على خلفية قرار طرد السفير الإيراني، وسط توازنات داخلية حساسة وضغوط خارجية متزايدة.
ميدانياً، تستمر العمليات العسكرية بوتيرة مرتفعة على الحدود الجنوبية، حيث تنفذ القوات الإسرائيلية غارات مكثفة على القرى والبلدات الحدودية وتمتد إلى مناطق في العمق، بالتوازي مع محاولات تقدم بري على عدة محاور مثل وادي السلوقي ودير سريان والقنطرة، وصولاً إلى محيط نهر الليطاني. في المقابل، يواصل "حزب الله" تنفيذ هجمات صاروخية مركزة واستهداف تجمعات عسكرية وآليات، إلى جانب استخدام الطائرات المسيّرة والاشتباكات المباشرة، ما يفرض واقعاً ميدانياً مفتوحاً مع ارتفاع الخسائر وتعقيد المشهد الأمني.
سياسياً، تفجّرت أزمة حادة عقب قرار وزير الخارجية اللبناني يوسف رجّي طرد السفير الإيراني محمد رضا شيباني، مع تحديد مهلة زمنية للمغادرة بلغت خمسة أيام. أثار القرار انقساماً داخلياً واسعاً، حيث رفض "حزب الله" وحركة "أمل" الخطوة، واعتبراها استهدافاً مباشراً للعلاقة مع إيران.
تمسّك رئيس مجلس النواب نبيه بري بموقف رافض للقرار، مع دعوات واضحة لإلغائه، في وقت برزت تحركات داخل "الثنائي الشيعي" لدعم بقاء السفير داخل لبنان وعدم الامتثال للقرار. في المقابل، يلتزم رئيس الحكومة نواف سلام موقفاً حذراً، مع تركيز على الملفات الاقتصادية والإنسانية ورفض إدراج ملف السفير ضمن سجالات مجلس الوزراء.
ضمن هذا السياق، شارك وزير التنمية الإدارية فادي مكي في جلسة الحكومة رغم طلب نبيه بري عدم الحضور، ما عكس تبايناً داخل البيئة السياسية نفسها. لاحقاً، استقبله رئيس الجمهورية جوزاف عون لبحث آخر المستجدات السياسية والأمنية.
على الصعيد الدبلوماسي، جرى اتصال بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ورئيس مجلس النواب نبيه بري، تناول العلاقات الثنائية وسبل احتواء الأزمة كما تستمر اتصالات سياسية على خطوط متعددة بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ووزارة الخارجية، في محاولة للوصول إلى صيغة توازن بين القرار السيادي ومتطلبات الاستقرار الداخلي.
تقديرات سياسية تتحدث عن مخرج يقوم على تثبيت القرار رسمياً مقابل تجميد تنفيذه عملياً، بما يسمح بإعادة انتظام عمل الحكومة وعودة وزراء "حزب الله" و"أمل" إلى جلساتها. في المقابل، تطرح سيناريوهات أخرى تتعلق بتصعيد سياسي أو تحركات شعبية في حال استمرار الخلاف.
كشفت مصادر سياسية لوسائل إعلام محلية عن ضغوط دولية وخليجية تدفع باتجاه عدم التراجع عن القرار، مع ربط ذلك بمسار الدعم المالي والسياسي للبنان، في وقت يتمسك فيه "الثنائي الشيعي" بخيارات مفتوحة تشمل خطوات سياسية وميدانية لمواجهة القرار.
يترافق هذا المشهد مع ضغوط اقتصادية متزايدة ونزوح داخلي مستمر من المناطق الجنوبية، ما يفاقم الأعباء على البنية التحتية والخدمات الأساسية، المشهد العام يكشف حالة تداخل بين التصعيد العسكري والانقسام السياسي، ما يضع لبنان أمام مرحلة مفتوحة على احتمالات متعددة في ظل بيئة داخلية وإقليمية شديدة التعقيد.