تشهد مناطق جنوب لبنان مرحلة حرجة وغير مسبوقة، إذ تتخذ القوات الإسرائيلية خطوات متدرجة وواضحة نحو فرض منطقة عازلة تمتد على طول الحدود الجنوبية مع لبنان، مع توقعات بتسارع هذه العمليات خلال الفترة المقبلة بالتزامن مع تحسن الأحوال الجوية وتوقف هطول الأمطار. تشمل السيناريوهات المحتملة التقدم بعمق يصل إلى نحو 10 كيلومترات لإقامة حزام أمني على طول الحدود، أو التوغل حتى نهر الليطاني لمسافة قد تصل إلى 25 كيلومتراً داخل الأراضي اللبنانية، يعكس رغبة في تعزيز السيطرة على المناطق الحدودية بشكل دائم ومنهجي.
على الأرض، تواصل القوات الإسرائيلية تمركزها في خمسة مواقع استراتيجية داخل جنوب لبنان بعد انتهاء المهلة المحددة للانسحاب، في خطوة تعكس رغبة واضحة في تثبيت التموضع العسكري طويل الأمد. بالإضافة إلى ذلك، تُظهر المعطيات أن إسرائيل تحتفظ بمجموعة من المواقع داخل الأراضي اللبنانية، بما في ذلك مناطق توصف بالمناطق العازلة، يشكل شريطاً أمنياً عملياً يُسهم في فرض سيطرة ميدانية فعالة على الجنوب ويحول دون قدرة أي جهة محلية على مقاومة التحركات الإسرائيلية بشكل مباشر.
ترافقت هذه الإجراءات مع أوامر إخلاء واسعة شملت مناطق جنوب الليطاني بالكامل، بما فيها محيط مدينة صور، في إطار خطة تهدف إلى تفريغ المنطقة من السكان وتهيئة الظروف أمام خطوات عسكرية أوسع. إلى جانب ذلك، بدأت إسرائيل في استهداف البنية التحتية بشكل ممنهج، حيث دُمّرت الجسور الاستراتيجية فوق نهر الليطاني، بما في ذلك جسر القاسمية وجسر زرارية والقعقعية، أدى إلى قطع طرق الإمداد والحركة وخلق حالة من العزل شبه الكامل للمناطق الجنوبية عن عمق الأراضي اللبنانية. هذه العمليات تجاوزت الهجمات العسكرية التقليدية لتشمل إخراج السكان وتدمير القرى وتحويل المنطقة إلى مساحة خاضعة للسيطرة بالنار، يعكس استراتيجية جديدة تعتمد على فرض واقع ميداني فعال بدل الاحتلال الكثيف أو الإدارة المباشرة للسكان.
النموذج الجاري في جنوب لبنان يختلف عن تجربة ما قبل عام 2000، إذ يعتمد بشكل أساسي على التدمير والعزل وفرض السيطرة بالنار، مع استخدام العمليات العسكرية المحدودة والمدروسة لإنشاء منطقة عازلة ذاتية النفوذ. وقد منح فتح جبهة موازية خلال المواجهة الإسرائيلية-الإيرانية القوات الإسرائيلية الذريعة لتوسيع نطاق عملياتها بشكل أكبر، قلص من قدرة أي طرف محلي على المناورة أو التدخل في هذا الواقع الجديد.
وبحسب المعطيات الميدانية، الخيارات المتاحة أمام القوى المحلية في مواجهة هذا الواقع تتضاءل بشكل كبير، إذ يمكن الاستمرار في المواجهة ضمن ما يُصنف معركة وجودية، أو مواجهة واقع متجه نحو تثبيت منطقة عازلة بالقوة والسيطرة العسكرية، مع الأخذ بعين الاعتبار تحديات الإخلاء المستمر وتدمير البنية التحتية يزيد من صعوبة أي تدخل ميداني محلي.
مع تحسن الظروف المناخية وارتفاع درجات الحرارة وتوقف الأمطار، يُتوقع أن تتسارع العمليات الإسرائيلية، بما في ذلك توسيع نطاق التوغل جنوباً وزيادة السيطرة على الطرق الاستراتيجية والمناطق المفتوحة. كل هذه الخطوات تضع مناطق جنوب لبنان أمام مرحلة حرجة قد تعيد رسم خريطة السيطرة على الجنوب بأساليب تعتمد بشكل أكبر على القوة والنار وخلق واقع ميداني جديد على الأرض، يختلف عن السيطرة المباشرة أو الاحتلال الكثيف الذي ساد قبل عام 2000، ويؤسس لنموذج حديث لفرض النفوذ العسكري في المناطق الحدودية.