لماذا يتملق امين عام الناتو لـ ترامب؟

خضر عواركة - وكالة وكالة أنباء آسيا

2026.03.22 - 03:59
Facebook Share
طباعة

 في كل مرة يقترب فيها دونالد ترامب من مركز القرار في واشنطن، يعود السؤال القديم بثوب جديد: هل يستطيع حلف شمال الأطلسي الحفاظ على توازنه، أم أن شخصية رجل واحد كفيلة بإرباك منظومة بُنيت على التوافق لا الصدام؟

الناتو، بطبيعته، ليس تحالفًا عسكريًا تقليديًا بقدر ما هو نظام سياسي قائم على “الإجماع القلق”. لا تُتخذ قراراته بالأكثرية، بل بالتوافق الكامل، ما يجعل أمينه العام أشبه بمدير أزمة دائم، لا قائدًا يفرض الاتجاه. هنا يأتي دور مارك روتة امين عام الحلف، الذي ورث حلفًا هشّ التوازن في لحظة دولية شديدة التعقيد.

المشكلة لا تكمن فقط في سياسات ترامب، بل في أسلوبه. فهو لا يتعامل مع التحالفات بوصفها التزامات استراتيجية طويلة الأمد، بل كصفقات قابلة لإعادة التفاوض. من هذا المنطلق، يتحول الناتو من مظلة أمن جماعي إلى عبء مالي في خطاب ترامب، ومن شراكة متكافئة إلى علاقة مشروطة بالدفع.

هذا التحول يضع الأمين العام أمام معادلة مستحيلة: كيف يحافظ على وحدة الحلف من دون أن يصطدم بأقوى أعضائه؟

الجواب، حتى الآن، هو ما يبدو للكثيرين “انحناءً”، لكنه في الواقع محاولة لاحتواء العاصفة. روتّه لا يؤيد ترامب، بل يدير خطره. يتجنب المواجهة العلنية، يخفف اللغة، ويبحث عن نقاط تقاطع— لو كانت محدودة—لمنع الانفجار.

لكن هذا الأسلوب له ثمن. فكلما ارتفعت حدة الخطاب الأميركي، تآكلت صورة الناتو كتحالف قائم على القيم المشتركة، لا على ميزان القوى. وكلما بدا الأمين العام أكثر حذرًا، ازداد الانطباع بأن الحلف يفقد حياده ويتحول تدريجيًا إلى انعكاس للإرادة الأميركية.

هنا تكمن المعضلة الحقيقية:
ليس الخطر أن ينسحب ترامب من الناتو، بل أن يبقى داخله ويعيد تعريفه على صورته.

في هذه الحالة، لا يعود السؤال: هل يؤيد الأمين العام ترامب؟
بل يصبح: هل يستطيع منع الناتو من التحول إلى أداة في معركة سياسية أميركية داخلية؟

التاريخ القريب يقدّم إشارات مقلقة. فقد سبق أن دفع الضغط الأميركي دولًا أوروبية إلى زيادة إنفاقها العسكري، وهو مطلب مشروع من زاوية التوازن داخل الحلف، لكنه طُرح بلغة تهديدية لا شراكية. ومع كل جولة من هذا النوع، يتراجع الخط الفاصل بين القيادة والهيمنة.

في المحصلة، ما نشهده ليس تأييدًا ولا خضوعًا، بل إدارة دقيقة لحافة الانهيار. الناتو اليوم يقف بين خيارين كلاهما صعب: إما مواجهة واشنطن والمخاطرة بتفككه، أو استيعابها والمخاطرة بفقدان هويته.

وبين هذين الخيارين، يتحرك روتّه بحذر شديد، مدركًا أن أي خطأ—ولو صغير—قد يحوّل الحلف من قوة توازن دولي إلى ساحة صراع داخلي مفتوح.

هكذا، يكون “رعب ترامب” ليس مجرد توصيف إعلامي، بل واقعًا سياسيًا يعيد تشكيل أحد أهم التحالفات في العالم، بصمت… ولكن بعمق.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 8