مع كل غارة إسرائيلية، يخرج عدد متزايد من المستشفيات ومراكز الرعاية الأولية والمراكز الإسعافية من الخدمة، لتصبح الحرب على القطاع الصحي واقعاً ملموساً. لم يعد التعطيل المؤقت حدثاً عابراً، بل مؤشراً صارخاً على استهداف العدو للبنية الصحية ضمن استراتيجية واضحة تهدف إلى ضرب كل ما يحافظ على حياة المدنيين.
وتبرر إسرائيل هذه الهجمات بادعاء أن المراكز الإسعافية وسيارات الإسعاف تُستخدم لأغراض عسكرية، بينما تتزايد أعداد الشهداء من المسعفين والأطباء، وتخرج مراكز صحية كاملة من الخدمة، إما نتيجة القصف المباشر أو التهديدات المستمرة.
وفي الحصيلة اليومية، بلغ عدد الشهداء من المسعفين 35 شهيداً، وفق محمود كركي المسؤول الإعلامي في الدفاع المدني للهيئة الصحية الإسلامية، مشيراً إلى أن الرقم لا يشمل الشهداء الذين يتم البحث عنهم بعد الغارة على مركز الإسعاف في بئر السلاسل. يتوزع الشهداء بين 30 من الهيئة الصحية الإسلامية، و3 من جمعية الرسالة الإسلامية، وشهيدين من الصليب الأحمر اللبناني، إلى جانب خمسة أطباء وممرضين قضوا أثناء تأدية واجبهم.
رئيسة دائرة مراكز الرعاية الصحية الأولية في وزارة الصحة، رندا حمادة، أشارت إلى أن هذه الأرقام تكشف عن انتقال العدو إلى مستوى جديد من الاستهداف، قائلاً: «لقد انتقلنا من ضرب العسكر إلى نسف كل ما له علاقة بالحياة، وإفراغ الأرض من سكانها عبر استهداف كل ما هو حيوي».
تصاعد الاستهداف مقارنة بالحرب السابقة
تشير المقارنات مع حرب عام 2024 إلى حجم التصعيد الحالي. ففي الحرب السابقة، تعرّضت 69 مركزاً للرعاية للتدمير أو الإغلاق أو التعطيل الجزئي خلال 66 يوماً من القصف، بينما في الحرب الحالية خرج 49 مركزاً من الخدمة خلال أسبوعين فقط، مع تزايد ملحوظ في الأيام الأخيرة، خاصة في مناطق الجنوب والبقاع. هذا التصاعد يعكس ما وصفه وزير الصحة ناصر الدين بأنه «حرب ممنهجة على القطاع الصحي».
أهمية مراكز الرعاية الأولية وبدائلها
توضح حمادة أن مراكز الرعاية الأولية تحولت إلى الملاذ البديل عن المستشفيات، وهي مرتبطة مباشرة بمراكز الإيواء لتقديم الخدمات الصحية للنازحين في أماكن وجودهم. يبلغ عدد المراكز المرتبطة بمراكز الإيواء نحو 190 مركزاً تخدم حوالي 600 مركز إيواء، ما يجعل وجودها بمثابة «صمّام أمان للمجتمع». وتضيف حمادة: «استمرار عمل المراكز يشجّع السكان على البقاء في أرضهم، وهو ما لا يريده العدو، لذلك يستهدف كل ما يحفز الناس على الصمود».
مع تزايد الاستهداف، لجأت مديرية الرعاية إلى «الخطة ب» عبر تشغيل مراكز نقّالة، لكن هذه البدائل لم تسلم من الهجمات، إذ بدأ العدو بملاحقة المراكز المتنقلة أيضاً، ما يضع القطاع الصحي أمام تحدٍ كبير في الاستمرار بتقديم الخدمات الحيوية للمدنيين.