يتصاعد التوتر في الخليج على إيقاع حرب مفتوحة، لكن القراءة داخل طهران لا تتعامل مع ما يجري كتصعيد عابر، بل كامتداد مباشر لصراع تاريخي طويل تشكّل حول النفط والسيادة والهيمنة فالمواجهة الحالية تعيد استحضار جذور الأزمة بين إيران والولايات المتحدة، حيث لم يكن النفط مجرد مورد اقتصادي، بل نقطة اشتباك مركزية منذ منتصف القرن الماضي.
في أوائل الخمسينيات، اتخذ رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدّق قرار تأميم النفط، منهياً عقوداً من السيطرة الأجنبية على قطاع الطاقة. القرار لم يكن اقتصادياً فقط، بل حمل دلالة سيادية واضحة، تمثلت في سعي الدولة للتحكم الكامل بثرواتها لكن هذا المسار تعرّض لانتكاسة حاسمة مع انقلاب عام 1953 الذي أطاح بحكومة مصدّق، وأعاد رسم موازين القوى داخل البلاد، بدعم غربي مباشر. هذا الحدث رسّخ شعوراً عميقاً بالاستهداف الخارجي، وتحول إلى ركيزة أساسية في الذاكرة السياسية الإيرانية.
مع قيام الثورة الإيرانية لاحقاً، أعيد إحياء هذا الإرث بشكل واضح، حيث جرى تقديم الصراع مع واشنطن باعتباره امتداداً لتلك المرحلة حادثة اقتحام السفارة الأمريكية في طهران جاءت في هذا السياق، كترجمة عملية لذاكرة سياسية ترى في الولايات المتحدة طرفاً رئيسياً في تقويض التجربة السيادية الإيرانية. منذ ذلك الحين، لم تعد العلاقة بين الطرفين قابلة للاحتواء، بل تحولت إلى صراع مركب تغذّيه الوقائع المتجددة.
الحرب الحالية أعادت النفط إلى واجهة المشهد. فالهجمات لم تعد تقتصر على الأهداف العسكرية التقليدية، بل امتدت إلى منشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية، ما يعكس تحوّلاً في طبيعة الصراع نحو استهداف مصادر القوة الاقتصادية ومع تصاعد العمليات، برز مضيق هرمز كنقطة توتر مركزية، بعد أن تحول إلى مساحة مواجهة مباشرة أثّرت على تدفق النفط العالمي، ورفعت منسوب القلق في الأسواق الدولية.
في الرؤية الإيرانية، هذا التصعيد يُفهم كجزء من مسار طويل من الضغوط، يتدرج من العقوبات الاقتصادية إلى العزل السياسي، وصولاً إلى المواجهة العسكرية بينما ترى الولايات المتحدة أن التحركات الإيرانية تشكل تهديداً مباشراً لأمن الملاحة الدولية واستقرار حلفائها، ما يبرر استمرار الضغط والتصدي.
هذا التباين في تفسير الأحداث يعمّق طبيعة الصراع، ويمنحه بعداً يتجاوز اللحظة الراهنة. فالسلطة في إيران تستثمر الذاكرة التاريخية بشكل واضح، إذ يُعاد استحضار تجربة مصدّق والانقلاب عليه لتأطير المواجهة الحالية ضمن سياق سيادي طويل، ما يمنحها بعداً داخلياً تعبويّاً، ويعزز من تماسك الخطاب السياسي في ظل التصعيد.
المفارقة أن النفط، الذي مثّل في السابق عنواناً للتحرر الوطني، أصبح اليوم أحد أبرز عوامل الاشتعال. فبدلاً من أن يكون أداة استقلال، تحول إلى محور تنافس إقليمي ودولي تتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع الحسابات العسكرية. هذا التحول يعكس طبيعة المنطقة التي ظلت لعقود ساحة لتقاطع النفوذ، حيث تبقى الثروات عاملاً رئيسياً في رسم مسارات الصراع.
في هذا السياق، لا يظهر اسم مصدّق كشخصية تاريخية فقط، بل كمدخل لفهم الحاضر. فالصراع القائم، رغم اختلاف أدواته، لا يزال يدور حول الأسئلة نفسها المتعلقة بالسيادة والتحكم بالموارد وبينما تتغير أشكال المواجهة، يبقى جوهر الأزمة ثابتاً، حيث يستمر النفط في لعب دور محوري في تحديد اتجاهات الصراع ومآلاته في المنطقة.