مع دخول الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران أسبوعها الثالث، بدأت صورة المواجهة تتضح بشكل أكبر، لتكشف أن النزاع لا يقتصر على ضربات عسكرية أو خسائر ميدانية، بل يمتد إلى البعد السياسي والدبلوماسي لموقع إيران في شبكة التوازنات الدولية.
الصراع الذي اندلع مؤخراً أصبح واحداً من أخطر أزمات الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، وفرض على طهران اختباراً مباشراً لقدرتها على الاستفادة من علاقاتها الدولية. ورغم سنوات طويلة من بناء شبكة علاقات إقليمية ودولية، يبدو أن هذه الشبكة لم تتحول تلقائياً إلى مظلة دعم عسكري أو سياسي خلال وقت الأزمة.
موسكو: مراقبة وحذر
في هذا السياق، يبرز التموضع الروسي كأحد أهم عناصر المشهد الإقليمي. موسكو تابعت الحرب من موقع مراقب منذ بدايتها، مع حضور سياسي ودبلوماسي محدود، فيما بقيت العمليات العسكرية محصورة بين أطرافها المباشرة.
وأجرت روسيا خلال الأسبوع الأخير اتصالات دبلوماسية مع طهران، حيث ناقش وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مع نظيره الإيراني تطورات الحرب، مؤكداً في بيان صادر عن الخارجية الروسية أن موسكو ترى ضرورة وقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار السياسي والدبلوماسي لمعالجة الأزمة.
كما كررت البعثة الروسية في الأمم المتحدة دعواتها لتجنب توسع المواجهة العسكرية، محذرة من تداعيات استمرار العمليات على استقرار المنطقة. هذا التوجه يعكس سياسة موسكو الحذرة، التي توازن بين علاقاتها مع طهران وبين إدارتها ملفات دولية أخرى، أبرزها الحرب في أوكرانيا والعلاقات المتوترة مع الغرب، ما يجعل فتح جبهة جديدة في الشرق الأوسط محفوفاً بالمخاطر بالنسبة لها.
بكين: مصالح اقتصادية واستقرار الطاقة
الموقف الصيني من الحرب جاء من زاوية اقتصادية استراتيجية، إذ تعتبر الصين الشرق الأوسط مصدرًا حيويًا للطاقة وممرًا رئيساً للتجارة العالمية. وترتبط مصالح بكين بشكل مباشر بالاستقرار الإقليمي، حيث أي اضطراب واسع في المنطقة يؤثر فوراً على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
إيران تمثل بالنسبة للصين شريكاً في مجال الطاقة وعلاقات تجارية ضمن شبكة واسعة تضم دول الخليج ودولاً أخرى في المنطقة، ما يفرض على بكين مقاربة متوازنة تركز على الحلول السياسية والدبلوماسية بدلاً من الانخراط العسكري المباشر.
وقد كررت وزارة الخارجية الصينية في الأيام الأخيرة دعواتها لوقف التصعيد العسكري، محذرة من أي تأثير على الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية للطاقة والتجارة الدولية.
إيران واختبار شبكة العلاقات الدولية
أبرز ما كشفت عنه الحرب حتى الآن هو الاختبار الذي تواجهه إيران في سياق علاقاتها الدولية. سياساتها الرامية لتوسيع النفوذ الإقليمي وبناء شبكة من الشراكات لم تتضمن التزامات دفاعية أو دعماً عسكرياً، وهو ما ظهر جلياً في تعامل موسكو وبكين مع الأزمة من موقع المراقب.
مع تحول التوتر السياسي إلى مواجهة عسكرية، يتضح الفرق بين الشراكة والتحالف: العلاقات التي بنتها إيران مع القوى الكبرى قائمة على المصالح المشتركة، لكنها لا توفر مظلة دفاعية في وقت الحرب، مما يضع النظام الإيراني أمام تحديات جديدة في إدارة أزماته الإقليمية.
في هذا المشهد، تستمر طهران في مواجهة ضغط كبير على جميع المستويات، بينما تكشف الحرب تدريجيًا حدود القوة الإيرانية ضمن التوازنات الدولية الحالية، مؤكدة أن موقعها في الشبكة الإقليمية ليس ضماناً لتدخل مباشر أو دعم عسكري في أوقات الأزمات الكبرى.