استيقظت العاصمة البريطانية لندن على حالة استنفار أمني غير مسبوقة، حيث انتشرت قوات الشرطة بآلياتها وأجهزتها على طول ضفاف نهر التايمز، في محاولة لمنع مسيرة "يوم القدس العالمي" التي تُنظم عادة في آخر جمعة من شهر رمضان القرار صدر عن وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود، متذرعة بـ"مخاطر أمنية"، ما اعتبره الحقوقيون محاولة لإسكات صوت التضامن مع فلسطين واحتجاجاً على الحروب المستمرة في غزة وإيران ولبنان.
وفق تصريح مساعد مفوض الشرطة البريطانية ورئيس وحدة النظام العام آدي أدليكان، فإن الشرطة اعتمدت تقييمًا أمنيًا أشاد بوجود مخاطر اضطرابات عامة "شديدة لدرجة لم تترك لنا خيارًا آخر"، مشيرًا إلى أن أي شخص يشارك في المسيرة أو يحرض عليها سيواجه الاعتقال الفوري كما حُدد سقف زمني للتجمع، حيث أُجبر المشاركون على التجمع بعد الساعة الواحدة ظهراً والتفرق بحلول الساعة الثالثة، مع إغلاق جسر "لامبيث" أمام المدنيين باستثناء سيارات الطوارئ، لتجنب الاحتكاك مع متظاهرين مضادين.
رغم ذلك، خرج نحو 12 ألف متظاهر، حسب تقديرات اللجنة الإسلامية لحقوق الإنسان (IHRC)، الجهة المنظمة للمسيرة، الذين حملوا أعلام فلسطين وإيران ولبنان، مرددين هتافات ضد الحرب على غزة وإيران، مع تأكيد على أن المعركة تتجاوز فلسطين لتصبح "معركة الدفاع عن الإنسانية"وقد تم اعتقال 12 شخصاً أثناء التظاهرة، من بينهم من وُجهت لهم تهمة دعم "منظمات محظورة"، وآخر بالسلوك التهديدي.
أكد مسعود شجرة، رئيس اللجنة الإسلامية لحقوق الإنسان، للجزيرة نت أن الشرطة تحولت إلى "أداة سياسية" لتنفيذ أجندات مؤيدة للصهيونية، مشيراً إلى أن أكثر من 2000 شخص اعتقلوا خلال العامين الماضيين لمجرد حمل لافتات احتجاجية. وأضاف أن المعركة اليوم ليست فقط عن فلسطين، بل عن حرية التعبير في قلب العواصم الغربية.
في المقابل، شارك حاخامات من جماعة "ناطوري كارتا" المناهضة للصهيونية، أبرزهم إلحنان بيك ويعقوب واسيز، حيث شددوا على أن الدولة الإسرائيلية "تمرد على الإرادة الإلهية"، وأن محاولتها بإنهاء المنفى الفلسطيني بالقوة السياسية "عصيان للخالق". وأكد الحاخام واسيز أن الصهيونية فقدت شرعيتها الأخلاقية، وأن المذابح المتكررة تشكل تهديدًا لليهود والمسلمين على حد سواء، مشيراً إلى أن 35 ألف يهودي يعيشون بسلام في إيران، حيث تدعم الحكومة المستشفيات والمعاهد التعليمية اليهودية، ما يوضح أن الصراع ليس دينياً بل صراع ضد الاحتلال والإبادة.
الحدث سلط الضوء على أبعاد قانونية وأمنية معقدة، إذ استُخدمت جسر "لامبيث" ونهر التايمز كحواجز طبيعية لفصل المتظاهرين عن مظاهرة مضادة صغيرة، وفرضت الشرطة إجراءات صارمة لضبط أي شعارات "تتجاوز الخطوط الحمراء" أو تصنف كخطاب كراهية رغم ذلك، انطلقت الصلوات الجماعية والهتافات التي ملأت المنطقة الجنوبية لضفة النهر، مؤكدة استمرار الاحتجاج رغم القيود.
كما أبرز الحدث أثر الحظر على حرية التعبير وحقوق التجمع في بريطانيا، حيث حاول المنظمون الالتفاف على القيود القانونية من خلال تحويل المسيرة إلى تظاهرة ثابتة، ما يتيح لهم الاحتجاج دون انتهاك القوانين بنفس سهولة منع المسيرات المتحركة. وشدد نشطاء الحقوق على أن هذا الحظر يكشف القلق الرسمي من تصاعد الغضب الشعبي على السياسة الخارجية البريطانية، خاصة فيما يتعلق بإمداد إسرائيل بالأسلحة واستخدام القواعد البريطانية لدعم العمليات العسكرية في غزة ولبنان.
وكشف عن تصاعد التوتر بين الحكومة البريطانية والمجتمع المدني الحقوقي، وجاء ليعيد التأكيد على أن المسألة ليست مجرد احتجاج على الاحتلال، بل صراع أوسع حول المبادئ الإنسانية وحرية التعبير، مع توجيه رسالة قوية بأن الحراك الشعبي قادر على مواجهة القيود السياسية والأمنية في الغرب.