أسباب استراتيجية قد تطيل أمد الحرب مع إيران

2026.03.16 - 10:03
Facebook Share
طباعة

 تتزايد التحليلات التي تشير إلى أن أي مواجهة عسكرية مع إيران قد لا تكون قصيرة كما يروج بعض الخطاب السياسي، بل قد تتحول إلى صراع طويل ومعقد تتشابك فيه عوامل عسكرية وسياسية واقتصادية داخلية وخارجية.

يرى كاتب عمود الرأي بول بوست والباحثة القانونية في جامعة شيكاغو بيغاه بني هاشمي، في تحليل نشرته مجلة "تايم"، أن التوقعات التي تتحدث عن حرب سريعة لا تنسجم بالضرورة مع طبيعة الصراع المحتمل أو مع التجارب التاريخية للحروب بين الدول.

في بداية الحديث عن الحملة العسكرية ضد إيران، أشار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب إلى أن الحرب لن تكون سريعة، محذرا في الوقت نفسه من احتمال وقوع خسائر في صفوف القوات الأمريكية. وبعد أيام قليلة من هذا التصريح، عاد ليطرح تقديرات زمنية مختلفة، إذ تحدث عن إمكانية أن تستمر العمليات العسكرية ما بين أربعة إلى خمسة أسابيع، مع احتمال أن تطول المدة إذا اقتضت الضرورة ذلك.

وفي مقابلة مع موقع "أكسيوس" الإخباري، قدم ترمب تصريحات بدت أكثر تناقضا، إذ قال إن الحرب قد تنتهي قريبا، مضيفا أن نهايتها قد تأتي في أي وقت يقرر فيه ذلك. هذه التصريحات المتباينة تعكس حالة من عدم الوضوح في تحديد مدة الصراع أو أهدافه النهائية.

بحسب التحليل المنشور في مجلة "تايم"، فإن الأهداف التي أعلنتها الإدارة الأمريكية تتراوح بين هدفين رئيسيين: الأول الحد من طموحات إيران النووية، والثاني السعي إلى إسقاط النظام الحاكم في طهران. هذا التباين في الأهداف يفتح الباب أمام سيناريوهات مختلفة لمسار الحرب، ويجعل من الصعب تحديد الإطار الزمني المحتمل لها.

ويرى مراقبون أن مثل هذا التباين قد يقود في النهاية إلى حرب استنزاف طويلة، خاصة إذا لم يكن هناك تصور واضح لكيفية إنهاء الصراع أو شكل النظام السياسي الذي قد يأتي بعده.

من جهة أخرى، يشير الكاتبان إلى أن التجارب التاريخية لا تدعم دائما فكرة الحروب السريعة. فبيانات مشروع "ارتباطات الحرب" في الولايات المتحدة تظهر أن معظم الحروب بين الدول خلال القرنين الماضيين كانت قصيرة نسبيا، إذ لم تتجاوز في الغالب خمسة أشهر.

لكن هذه القاعدة ليست مطلقة، فهناك استثناءات بارزة تؤكد أن بعض الحروب قد تمتد لسنوات طويلة. ومن الأمثلة على ذلك الحرب الدائرة في أوكرانيا التي دخلت عامها الرابع، إضافة إلى الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيات القرن الماضي التي استمرت نحو ثماني سنوات.

صعوبة إسقاط النظام

يعتقد الكاتبان أن سقوط النظام الإيراني ليس أمرا مرجحا بسهولة. فالنظام في إيران لا يقتصر على حكومة مركزية يمكن إسقاطها بضربة عسكرية، بل يقوم على شبكة واسعة من المؤسسات السياسية والأمنية والاقتصادية التي تشكلت وتطورت خلال عقود.

كما أن هذه المنظومة مدعومة بموارد اقتصادية مهمة، أبرزها عائدات النفط، إضافة إلى شبكة علاقات دولية بنتها طهران على مدى سنوات طويلة.

ويشير التحليل إلى أن حتى سيناريو مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في ضربة جوية لم يؤد إلى انهيار الدولة أو مؤسساتها، إذ سار النظام بسرعة في مسار دستوري لنقل السلطة، حيث تولت قيادة مؤقتة إدارة البلاد، قبل اختيار مجتبى خامنئي مرشدا أعلى جديدا.

دور الحرس الثوري

أحد العناصر التي قد تجعل الصراع أكثر تعقيدا هو الدور الذي يلعبه الحرس الثوري الإيراني، إلى جانب قوات الباسيج التابعة له. فقد أظهرت هذه القوات خلال العقود الماضية قدرة على التكيف والصمود حتى في مواجهة خصوم يفوقونها قوة عسكرية.

ويشير الكاتبان إلى أن الحرس الثوري خضع على مدار سنوات طويلة لعمليات تدقيق أيديولوجي وتنظيمي صارمة تهدف إلى ضمان ولاء أفراده للنظام. هذا النوع من البنية التنظيمية قد يجعل هذه القوات أكثر استعدادا للاستمرار في القتال لفترات طويلة.

ورغم أن الضربات الجوية قد تسبب أضرارا كبيرة في البنية العسكرية أو الاقتصادية لإيران، فإنها قد لا تكون كافية لإسقاط النظام أو تحطيم إرادة هذه القوات.

تأثير العامل الداخلي

إلى جانب العوامل العسكرية، يلعب العامل الداخلي دورا مهما في إطالة أمد أي صراع. فتصاعد النزعة القومية في أوقات الحروب غالبا ما يدفع قطاعات واسعة من المجتمع إلى الالتفاف حول الدولة، حتى بين فئات معارضة للنظام.

ويشير التحليل إلى أن الحديث عن احتمال دعم جماعات عرقية داخل إيران مثل الأكراد قد يثير مخاوف لدى الإيرانيين من خطر تفكك الدولة. مثل هذه المخاوف قد تدفع حتى بعض المعارضين للنظام إلى الاصطفاف خلف السلطة في مواجهة أي تدخل خارجي.

هذا النمط سبق أن ظهر خلال الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيات القرن الماضي، عندما أدت الحرب إلى تعزيز الشعور الوطني لدى قطاعات واسعة من الإيرانيين.

تعقيدات المشهد الدولي

على المستوى الدولي، تتداخل مصالح قوى كبرى في هذا الصراع المحتمل. فهناك تقارير تشير إلى وجود دعم استخباراتي من روسيا وتعاون تكنولوجي من الصين مع إيران.

في المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز تعاونها مع حلفائها، وقد طلبت من أوكرانيا المساعدة في مواجهة الطائرات المسيّرة الإيرانية.

هذا التداخل بين القوى الدولية قد يزيد من تعقيد الصراع ويجعله جزءا من شبكة أوسع من التنافس الجيوسياسي.

غموض الاستراتيجية

في ختام التحليل، يرى الكاتبان أن الإدارة الأمريكية تبدو وكأنها تتبع ما يمكن وصفه بـ"التحوط الاستراتيجي". فهي من جهة تلمح إلى إمكانية تحقيق انتصار سريع، ومن جهة أخرى تهيئ الرأي العام لاحتمال مواجهة طويلة.

لكن هذا الغموض في تحديد الأهداف النهائية للحرب قد يجعل الوصول إلى نهاية واضحة للصراع أكثر صعوبة. كما أنه يضع صناع القرار في واشنطن وتل أبيب أمام سؤال أساسي يتعلق بتكلفة الحرب.

فإذا تحول الصراع إلى حرب استنزاف طويلة في منطقة حساسة مثل الشرق الأوسط، فإن السؤال الذي سيطرح نفسه بقوة هو ما إذا كانت الأهداف المرجوة تستحق بالفعل هذه التكلفة العسكرية والسياسية والاقتصادية الكبيرة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 9