ترامب وحلم الاستيلاء على جزيرة خارگ

بقلم: خضر عواركة

2026.03.16 - 07:31
Facebook Share
طباعة

لو كنتُ حاكمًا في دولةٍ عربية خليجية، لأمرتُ فورًا بإعادة النظر في الاتفاقيات العسكرية مع واشنطن، ولطلبتُ دعمًا رسميًا من جيوش تركيا وباكستان ومصر بهدف الحماية والدفاع لا الهجوم. فالأمن الحقيقي لدول الخليج يجب أن يقوم على شراكات إقليمية متوازنة، لا على الارتهان المطلق لقوةٍ خارجية تتغيّر سياساتها كل أربع سنوات.
إن خروج القوات الأميركية من بلاد العرب من شأنه أن يسحب الذريعة التي قد تستخدمها إيران لتبرير أي توسع عسكري في المنطقة. كما أن الرهان على هزيمة إيران رهانٌ ساذج. فحتى لو تعرّض النظام هناك لهزيمة مرحلية، فإن ذلك لا يعني هزيمة الأمة الإيرانية نفسها. فإيران بلد يضم أكثر من مئة مليون إنسان ونخبًا علمية وسياسية واسعة، ومن الوهم الاعتقاد أن مجتمعًا بهذا الحجم يمكن أن يرضخ لإملاءات واشنطن لمجرد ضربة عسكرية أو سقوط نظام.
أما عن ترامب، فهو يخوض هذه المواجهة عمليًا نيابةً عن نتنياهو، لا دفاعًا عن مصالح الولايات المتحدة. فالحرب الجارية لا تخدم أميركا، ولا تخدم حتى ما يُسمّى بالدولة العميقة أو الطبقة الحاكمة الفعلية في واشنطن، التي تدرك أن الفوضى التي خلقها ترامب ونتنياهو تهدد الاستقرار الدولي ومصالح الولايات المتحدة نفسها. ولهذا فإن هذه المؤسسات ستجد نفسها مضطرة في النهاية إلى إجبار ترامب على التراجع، لأن الحرب ليست في مصلحتها. ومن وجهة نظر كثير من دوائر القرار في واشنطن، يبقى العمل مع إيران أقل كلفة بكثير من الحرب عليها.
لكن ترامب الأحمق يحلم بإعلان النصر عبر احتلال جزيرة خارگ.
وهذه الجزيرة تُعد واحدة من أهم الجزر الإيرانية في الخليج؛ تقع قبالة ساحل بوشهر، وهي المركز الرئيسي لتصدير النفط الإيراني منذ عقود. فمعظم ناقلات النفط الإيرانية تنطلق من هذه الجزيرة، ما يجعلها عقدة استراتيجية في اقتصاد إيران وفي أي صراع يدور حول الطاقة في الخليج.
غير أن هذا الحلم يكشف قدرًا كبيرًا من السذاجة السياسية. فإيران تملك بدائل لوجستية متعددة لتصدير نفطها، كما أن الجغرافيا الإيرانية قد تجعل من جزيرة خارگ فخًا عسكريًا لأي قوة تحاول الاستقرار فيها. إضافة إلى ذلك، تمتلك طهران القدرة على الرد بطرق قد تطال منشآت الطاقة في المنطقة كلها، وهو ما قد يفتح أبواب فوضى لا يمكن السيطرة عليها.
ومع ذلك يصرّ ترامب الكذاب والغبي على تخيّل سيناريو بسيط: احتلال الجزيرة، ثم إعلان وقف الحرب والادعاء بأنه حقق انتصارًا تاريخيًا. لكن ما لا يفهمه هذا الأبله المرتهن للوبي الليكودي في الولايات المتحدة ــ الذي يشكل معظم داعمي نتنياهو وأفكاره ــ هو أن السيطرة على جزيرةٍ ما لن تدفع إيران إلى إعلان الاستسلام.
بل إن هذه الحرب قد دمّرت أحد أهم الأسلحة الناعمة التي اعتمدت عليها الاستراتيجية الأميركية لعقود: الإعجاب الإيراني بنموذج الحياة الأميركية. فقد كان داخل إيران جمهور واسع من المعجبين بالنموذج الأميركي ثقافيًا واقتصاديًا، لكن حروب ترامب المتكررة على الشعب الإيراني، قبل النظام، جعلت صورة أميركا في نظر كثيرين هناك تقف في الخانة نفسها التي تقف فيها صورة إسرائيل. ونتيجة لذلك ازداد التعاطف الشعبي داخل إيران مع التيارات الأكثر تشددًا في عدائها لكل ما هو أميركي.
إن ما يجري اليوم يفرض على دول الخليج إعادة التفكير في معادلات الأمن الإقليمي. فالتعويل المطلق على الحماية الأميركية أثبت هشاشته، بينما بناء شبكة توازنات إقليمية مع قوى كبرى في العالم الإسلامي قد يكون خيارًا أكثر استقرارًا.
لقد حان الوقت كي تتحرر الدول العربية من وهم الحماية الأميركية، وأن تبحث عن مقاربات أمنية أكثر استقلالًا وتوازنًا.
ففي عالمٍ يتغير بسرعة، قد تكون باكستان ــ بقدراتها العسكرية والنووية ــ شريكًا أكثر موثوقية في معادلة الردع من رهاناتٍ تتبدل مع مزاج رئيس أميركي متهور. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 9