يرى خبراء ومحللون سياسيون أن الدور الفرنسي في الملف اللبناني لم يعد يتمتع بالتأثير الذي كان يميّزه في السنوات السابقة، خصوصاً في ظل عجز باريس عن التأثير في القرارات الإسرائيلية أو منع التصعيد العسكري المحتمل في لبنان. ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه المؤشرات على اقتراب مرحلة جديدة من المواجهة، قد تشمل تدخلاً برياً إسرائيلياً، وسط تعقيدات سياسية وعسكرية متشابكة في الداخل اللبناني والإقليم.
تراجع التأثير الفرنسي
يشير خبراء إلى أن المبادرات الدبلوماسية الفرنسية الأخيرة، وعلى رأسها المبادرة التي طرحها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لم تحقق النتائج المرجوة حتى الآن. فبالرغم من الجهود التي بذلها ماكرون في محاولة إقناع إسرائيل بتجنب أي تدخل بري في لبنان، إلا أن تلك المساعي لم تنجح في تغيير مسار الأحداث.
ويرى محللون أن الحرب المحتملة في لبنان باتت إلى حد كبير في يد الولايات المتحدة وإسرائيل، في وقت يتوقع فيه أن تبقى الساحة اللبنانية مفتوحة على مزيد من التصعيد بعد كسر العديد من الخطوط الحمراء، مع غياب مؤشرات واضحة على موعد انتهاء المواجهة.
مساعٍ دبلوماسية
أجرى الرئيس الفرنسي خلال الفترة الماضية سلسلة من الاتصالات المكثفة مع المسؤولين اللبنانيين، إذ تحدث مع الرؤساء اللبنانيين ثلاث مرات متتالية في محاولة لدفع مبادرة تهدف إلى خفض التوتر. غير أن هذه الجهود، بحسب الخبراء، فقدت فعاليتها بعد رفض حزب الله المقترح الذي يقضي بانتشار الجيش اللبناني في الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق الجنوب والبقاع، مقابل تسليم سلاح الحزب.
تفاصيل الخطة
وفقاً لما يورده المحللون، كانت الخطة المقترحة تقوم على انسحاب الجيش الإسرائيلي تدريجياً من نقاط محددة، تبدأ بنقطتين ثم نقطتين إضافيتين وصولاً إلى الانسحاب الكامل، وذلك بعد التأكد من تسليم سلاح الحزب وانتشار الجيش اللبناني في المناطق المعنية.
غير أن رفض هذه الخطة، إضافة إلى المعطيات الميدانية، يعززان التقديرات التي تشير إلى أن الهجوم البري الإسرائيلي قد يكون وشيكاً.
تنسيق أمريكي إسرائيلي
ويشير خبراء إلى أن بعض أعضاء الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة من أصول لبنانية تحدثوا عن تحضيرات عسكرية يجري العمل عليها ضمن تنسيق أمريكي–إسرائيلي واسع النطاق. ويُعتقد أن هذا التنسيق يهدف إلى التحضير لهجوم محتمل في منطقة نهر الليطاني جنوب لبنان.
كما لفت المحللون إلى وجود دعم أمريكي غير مسبوق يسمح لإسرائيل بتنفيذ عملياتها العسكرية وفق ما تراه مناسباً، سواء عبر توسيع الهجمات الجوية أو من خلال إطلاق عملية برية قد تنطلق من البقاع الغربي أو من الحدود الشمالية مع إسرائيل.
سيناريو الاجتياح
ويرى الخبراء أن احتمال اجتياح مناطق جنوب لبنان بات مطروحاً بقوة، إلى جانب احتمال اعتماد إسرائيل سياسة الأرض المحروقة جواً في العمليات العسكرية المقبلة.
ويأتي ذلك في ظل غياب أي تحركات دبلوماسية فعالة في المرحلة الراهنة. كما أبلغ السفير الأمريكي ميشيل عيسى الرئيس اللبناني جوزيف عون بجملة من المعطيات المتعلقة بالموقف الأمريكي، في وقت لا توجد فيه حالياً أي مفاوضات أو مشاورات أو حتى لجنة ثلاثية أمريكية–إسرائيلية–لبنانية، وذلك قبل استهداف البنية العسكرية لـ"حزب الله".
القرار بيد واشنطن
يعتقد خبراء أن الولايات المتحدة تبقى الجهة الوحيدة القادرة على رسم خطوط حمراء أمام إسرائيل في الحرب على لبنان. غير أنهم يرجحون أن تستمر المواجهة لفترة طويلة، معتبرين أنه من المبكر الحديث عن إمكانية وضع حدود واضحة لمسار الحرب.
كما يؤكد المحللون أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لا يمتلك تأثيراً فعلياً في قرارات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ولا يملك القدرة على إقناعه بوقف العمليات العسكرية أو منع أي تدخل بري.
ضوء أخضر أمريكي
ويضيف الخبراء أنه في حال عدم حدوث تدخل مباشر من الإدارة الأمريكية، فإن يد نتنياهو ستبقى مفتوحة في لبنان لفترة طويلة. وتشير المعطيات الحالية إلى أن العمليات العسكرية الإسرائيلية – من قصف وتدمير واغتيالات وحشود برية – تجري في إطار ضوء أخضر أمريكي يمنح إسرائيل حرية واسعة في التصرف داخل الساحة اللبنانية.
مفتاح الحرب بيد واشنطن
في ضوء هذه التطورات، يرى الخبراء أن العامل الوحيد القادر على وقف الحرب يتمثل في قرار أمريكي حاسم يفرض قيوداً على العمليات العسكرية الإسرائيلية. غير أن المؤشرات الحالية توحي بوجود مصلحة أمريكية في إضعاف حزب الله أو تدمير بنيته العسكرية، باعتباره – وفق الرؤية الأمريكية – امتداداً للحرس الثوري الإيراني وتهديداً لأمن إسرائيل والولايات المتحدة، فضلاً عن كونه عاملاً مؤثراً في توازنات الأمن الإقليمي.