مع دخول المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى أسبوعها الثاني، لا تلوح في الأفق أي مؤشرات جدية على توقف التصعيد. ورغم قدرة طهران على امتصاص الضربة الأولى واحتواء آثارها الأولية، فإن ميزان القوة العسكري يميل بوضوح لصالح واشنطن وتل أبيب، وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا: أين حلفاء إيران، ولماذا لا يظهرون دعماً حاسماً قد يغير مسار الحرب؟
غالباً ما تتجه الأنظار نحو الصين بوصفها القوة الكبرى الأقرب إلى إيران سياسيًا واقتصاديًا، والقادرة نظريًا على تحسين موقفها، سواء عبر دعم عسكري أو ضغط سياسي دولي. غير أن الواقع يظهر أن بكين تفضل حتى الآن الاكتفاء بالمواقف الدبلوماسية العامة، من دون الانخراط في دعم مباشر يمكن أن يقلب موازين الصراع.
مؤشرات دعم قبل الحرب
قبل اندلاع القتال بوقت قصير ظهرت تقارير تشير إلى أن الصين ربما كانت تستعد لمساعدة إيران عسكريًا. فقد نقل موقع "ميدل إيست آي" عن مسؤولين مطلعين – لم يكشف عن أسمائهم – أن بكين أرسلت بالفعل معدات عسكرية إلى طهران لتعزيز قدراتها الدفاعية والهجومية.
ووفقًا لهذه المصادر، تضمنت الشحنات طائرات مسيرة انتحارية وأنظمة دفاع جوي، إضافة إلى بطاريات صواريخ أرض–جو. كما قيل إن الصين زودت إيران ببعض هذه الأنظمة بعد الحرب التي استمرت 12 يومًا في يونيو 2025، حين استهدفت الولايات المتحدة ثلاثة مواقع نووية إيرانية.
لكن بعد اندلاع الحرب واغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، بدا أن الموقف الصيني أصبح أكثر تحفظًا بكثير. فقد أدان وزير الخارجية الصيني وانغ يي الهجوم، واعتبره انتهاكًا لسيادة إيران وللقواعد الدولية، كما وصف اغتيال خامنئي بأنه أمر "غير مقبول". ومع ذلك اكتفى بالدعوة إلى خفض التصعيد، دون الإعلان عن أي دعم عسكري أو مادي لطهران.
سياسة خارجية حذرة تقليديًا
في الحقيقة، لا يمثل هذا الموقف الصيني مفاجأة كبيرة. فمنذ عقود تتجنب بكين تقديم ضمانات أمنية مباشرة لأي دولة خارج نطاق تحالفاتها المحدودة. وترفض الصين في سياستها الخارجية ما تسميه "عقلية الكتلة" أو سياسة التحالفات العسكرية الصلبة.
ولهذا فإن ردها خلال الحرب السابقة في يونيو 2025 – التي استمرت 12 يومًا – جاء على النمط نفسه تقريبًا: بيانات سياسية تنتقد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع تجنب أي خطوة قد تفسر كدعم عسكري مباشر لإيران.
لو قدمت الصين دعماً عسكريًا واضحًا لطهران، فإنها كانت ستعرض نفسها لمخاطر كبيرة، أبرزها العقوبات الأمريكية التي قد تضرب اقتصادها. ومن هنا يتضح أن الأولوية الأساسية لبكين ليست حماية إيران، بل حماية استقرارها الاقتصادي وعلاقاتها التجارية مع العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة.
علاقة وثيقة لكنها غير متوازنة
على الورق تبدو العلاقات بين الصين وإيران قوية للغاية. ففي عام 2021 وقع البلدان اتفاقية شراكة استراتيجية لمدة 25 عامًا، كما أصبحت الصين أكبر مشترٍ للنفط الإيراني.
في العام الماضي وحده اشترت بكين أكثر من 80% من النفط الذي صدرته إيران، وهو ما يمثل نحو 13.5% من واردات الصين النفطية البحرية. كما ساعدت الصين في تخفيف عزلة إيران الدولية عبر دعم انضمامها إلى مجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون.
وتعكس الأرقام الاقتصادية حجم الترابط بين البلدين. فبحسب بيانات منظمة التجارة العالمية لعام 2024، تستورد إيران من الصين بضائع بقيمة نحو 18 مليار دولار، بينما تصدر إليها سلعًا بنحو 14.5 مليار دولار. وتشكل التجارة مع الصين أكثر من ربع إجمالي التجارة الخارجية الإيرانية.
إضافة إلى ذلك تشارك شركات الطاقة الصينية في استخراج النفط من المياه الإيرانية، ما يجعل بكين لاعبًا مهمًا في قطاع الطاقة الإيراني.
تعاون أمني وتقني بعيدًا عن الحروب
هذا الترابط الاقتصادي ترافق مع تعاون أمني وعسكري، لكنه غالبًا ما يظهر في الفترات الهادئة وليس أثناء الحروب.
فبعد حرب 12 يومًا في 2025، وسعت بكين وطهران التعاون في مجالات تبادل المعلومات الاستخبارية والتنسيق الأمني لمواجهة التهديدات الخارجية. كما استمرت الصين في تزويد إيران ببعض المعدات العسكرية.
لكن نوعًا آخر من التعاون ظل أقل شهرة، ويتمثل في التكنولوجيا الأمنية والمراقبة. فوفقًا لموقع "ذا ديبلومات"، لعبت الشركات الصينية دورًا مهمًا في تطوير منظومة المراقبة داخل إيران.
شركة "تياندي" الصينية، على سبيل المثال، قدمت معدات متقدمة ودورات تدريبية للنظام الإيراني في مجال المراقبة الرقمية. وساهمت هذه التكنولوجيا في قدرة السلطات الإيرانية على التعامل مع الاحتجاجات الداخلية والحفاظ على تماسك النظام السياسي.
كما ساعدت الشركات الصينية أيضًا في تطوير صناعة الطائرات المسيرة الإيرانية عبر توفير تقنيات ومعدات أساسية.
خلل واضح في ميزان العلاقة
ورغم هذا التعاون الواسع، فإن العلاقة بين البلدين تعاني من خلل بنيوي واضح يتمثل في عدم التوازن. فإيران تحتاج إلى الصين بدرجة كبيرة، بينما لا تعتمد الصين على إيران إلا بشكل محدود.
منذ عام 2019 أصبحت الصين الوجهة الأولى للصادرات الإيرانية، ومنذ عام 2014 أصبحت كذلك أكبر مصدر لواردات إيران. لكن بالنسبة للصين تمثل إيران أقل من 1% من تجارتها العالمية.
هذا الفارق الضخم يعني أن بكين يمكنها الاستغناء عن إيران بسهولة نسبية، بينما يصعب على طهران تعويض السوق الصينية.
ويتضح هذا الخلل أكثر عند مقارنة علاقات الصين الاقتصادية في المنطقة. ففي عام 2024 بلغ حجم التجارة بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي نحو 257 مليار دولار، بينما لم تتجاوز تجارتها مع إيران 14 مليار دولار فقط.
وبالتالي فإن دول الخليج – رغم علاقاتها المتوترة أحيانًا مع طهران – تمثل شريكًا اقتصاديًا أكثر أهمية بالنسبة لبكين.
المخاطر الاستثمارية في إيران
هناك أيضًا عامل آخر يؤثر في الحسابات الصينية، وهو النظرة إلى إيران كبيئة استثمارية عالية المخاطر. فالتقلبات السياسية والاحتجاجات المتكررة والعقوبات الدولية تجعل الاستثمار هناك محفوفًا بالمخاطر مقارنة بدول أخرى في المنطقة.
كما يظهر اختلاف واضح بين بكين وطهران في الملف النووي. فالصين لا ترغب في امتلاك إيران سلاحًا نوويًا، رغم دعمها لحل دبلوماسي للقضية النووية، وهو ما يفسر مشاركتها في الاتفاق النووي عام 2015.
أمن الطاقة أولوية صينية
بالنسبة للصين، المشكلة الأساسية في الحرب ليست مصير إيران، بل تأثير الصراع على إمدادات الطاقة.
يمر نحو ثلث واردات الصين النفطية وربع وارداتها من الغاز الطبيعي عبر مضيق هرمز، الذي تأثر جزئيًا بالاضطرابات العسكرية. وفي عام 2025 استوردت الصين 13.5% من نفطها من إيران و36.8% من دول خليجية أخرى تعتمد صادراتها على المرور عبر المضيق.
لذلك فإن المصلحة الصينية الأساسية تتمثل في وقف الحرب وضمان استمرار الملاحة النفطية، بغض النظر عن الطرف المنتصر.
ومع ذلك لا تبدو بكين مستعدة للتدخل عسكريًا لتحقيق هذا الهدف، بل تعتمد على سياسات احتياطية مثل تخزين النفط وتنويع مصادر الطاقة.
احتياطي ضخم وخيارات بديلة
خلال السنوات الماضية بنت الصين احتياطيات نفطية استراتيجية ضخمة بلغت نحو 1.1 مليار برميل، وهو ما يكفي لتغطية نحو ثلاثة أشهر من وارداتها.
كما قامت بتنويع مصادر الطاقة، وأصبحت روسيا تمثل اليوم نحو 20% من واردات الصين النفطية.
وفي ظل اضطرابات الشرق الأوسط قد تزيد بكين اهتمامها بمشاريع طويلة الأجل مثل مشروع "قوة سيبيريا 2"، وهو خط أنابيب بطول 2600 كيلومتر لنقل 50 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا من حقول يامال الروسية إلى الصين عبر منغوليا.
حسابات سياسية مع الولايات المتحدة
هناك عامل سياسي آخر يفسر حذر الصين، وهو رغبتها في تجنب توتر جديد مع الولايات المتحدة قبل مفاوضات مهمة بين الجانبين.
فمن المتوقع عقد قمة بين الرئيسين دونالد ترامب وشي جين بينغ في مطلع أبريل. ولتجنب التصعيد قبل هذه القمة، اتخذت واشنطن أيضًا خطوات تهدئة، منها تأجيل الإعلان عن صفقة أسلحة بقيمة 13 مليار دولار لتايوان، وتخفيف بعض القيود على صادرات أشباه الموصلات إلى الصين.
لماذا لا تتدخل الصين عسكريًا؟
تاريخيًا لا تقدم الصين نفسها كحليف يتدخل عسكريًا لإنقاذ شركائه في الأزمات. فهي قد تقدم دعمًا اقتصاديًا أو دبلوماسيًا أو حتى بعض الصادرات العسكرية، لكنها نادرًا ما تقدم ضمانات أمنية مباشرة.
حتى عندما واجهت فنزويلا – التي استثمرت فيها الصين مليارات الدولارات – ضغوطًا أمريكية وسيطرة واشنطن على قطاع النفط هناك، لم تتدخل بكين بشكل حاسم.
وفي الحرب السابقة ضد إيران عام 2025 اكتفت الصين أيضًا بانتقادات دبلوماسية دون اتخاذ خطوات عملية.
فرضية مثيرة للجدل
يذهب بعض الباحثين في معهد "تشاتام هاوس" إلى فرضية أبعد، مفادها أن الصين قد لا تمانع في تعرض إيران لضربات محدودة من الولايات المتحدة وإسرائيل.
ويرجع ذلك إلى سببين رئيسيين: أولاً أن بكين لا ترغب في امتلاك إيران سلاحًا نوويًا، وثانيًا أن بقاء النظام الإيراني ضعيفًا – دون أن ينهار – يزيد من اعتماد طهران على الصين اقتصاديًا وتكنولوجيًا.
عامل الجغرافيا
يلعب البعد الجغرافي أيضًا دورًا مهمًا في قرارات الصين العسكرية. فبكين تميل إلى تقديم دعم عسكري حقيقي لحلفائها القريبين منها جغرافيًا.
فخلال الاشتباكات بين الهند وباكستان العام الماضي حول كشمير قدمت الصين دعمًا عسكريًا ملموسًا لحليفتها باكستان. أما في الشرق الأوسط، البعيد عن حدودها، فإن الحسابات تكون أكثر حذرًا.
ما الذي يمكن أن تفعله الصين إذن؟
رغم كل ذلك، لا يعني الحذر الصيني غياب أي دور لبكين. فإيران مهتمة بالحصول على طائرات مقاتلة صينية من الجيل الخامس وأنظمة دفاع جوي متطورة مثل HQ-9.
لكن حتى في حال حدوث مثل هذه الصفقات، فإنها ستبقى ضمن إطار التعاون العسكري التقليدي، وليس تدخلاً استراتيجيًا مباشرًا في الحرب.
الخلاصة
في نهاية المطاف، تشير كل المؤشرات إلى أن الصين لن تتدخل عسكريًا لإنقاذ إيران.
فالاعتبارات الاقتصادية، والرغبة في تجنب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، إضافة إلى طبيعة الاستراتيجية الصينية القائمة على الحذر، كلها عوامل تدفع بكين إلى البقاء في موقع المراقب.
وبالنسبة للصين، يبقى تدفق النفط والاستثمارات في الشرق الأوسط أكثر قيمة بكثير من المغامرة العسكرية لحماية حليف بعيد مثل إيران.