المسيّرات والصواريخ تحول الحرب إلى استنزاف مستمر

2026.03.10 - 08:20
Facebook Share
طباعة

 بينما تروّج الولايات المتحدة وإسرائيل للضربات التي استهدفت القيادة الإيرانية في أواخر فبراير/شباط الماضي باعتبارها "انتصاراً إستراتيجياً"، تكشف الوقائع الميدانية داخل إسرائيل صورة مختلفة، تتمثل في حرب استنزاف متواصلة تضغط بقوة على الجبهة الداخلية.

وتُظهر قراءة وتحليل البيانات الرسمية الصادرة عن الجبهة الداخلية الإسرائيلية خلال الفترة الممتدة من 28 فبراير/شباط حتى 8 مارس/آذار، تحولات عسكرية لافتة في مسار المواجهة. فخلال هذه الفترة تم توثيق 3101 حادثة أمنية منفصلة، ما يعكس تصعيداً ملحوظاً في وتيرة العمليات الهجومية التي تعتمد تكتيكات مرنة تهدف إلى إرباك منظومات الدفاع الجوي وفرض حالة من الشلل المستمر داخل إسرائيل.

وتكشف الأرقام تفاصيل هذا المشهد العسكري المتصاعد؛ إذ تصدرت الصواريخ المشهد القتالي بتسجيل 2255 عملية إطلاق، بالتوازي مع تنفيذ 846 عملية اختراق للمجال الجوي الإسرائيلي بواسطة الطائرات المسيّرة.

صدمة البداية

في 28 فبراير/شباط، وبينما كانت الطائرات الحربية الأمريكية والإسرائيلية تنفذ ما سُمي بـ"عملية الغضب الملحمي" داخل طهران، تعرضت الجبهة الداخلية الإسرائيلية لقصف انتقامي واسع وغير مسبوق.

وتشير البيانات إلى ما يمكن وصفه بمرحلة "الصدمة الأولية"، حيث بلغ عدد صفارات الإنذار التي أطلقت في المدن الإسرائيلية خلال يوم واحد ما بين 12 ألفاً و13 ألف إنذار، بمعدل يتجاوز 600 إنذار صاروخي رئيسي.

ويبدو أن هذا الهجوم المكثف صُمم لإغراق منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية متعددة الطبقات وتجاوز قدرتها على الاستجابة الفورية. غير أن الإستراتيجية تغيرت لاحقاً، فبحلول الثاني من مارس/آذار انخفضت أعداد الإنذارات اليومية تدريجياً واستقرت لتتحول المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، مع تسجيل ما بين 1500 و3500 إنذار يومياً.

ويرى محللون عسكريون أن هذا التحول يعكس خطة مدروسة من جانب إيران وحزب الله تهدف إلى الحفاظ على المخزون الصاروخي لفترة طويلة، مع إبقاء المجتمع الإسرائيلي في حالة طوارئ دائمة داخل الملاجئ.

وفي أكثر من مناسبة، أكد الحرس الثوري الإيراني أن قواته مستعدة لخوض حرب واسعة يمكن أن تستمر لمدة ستة أشهر على الأقل بالمستوى نفسه من العمليات.

نقطة التحول نحو المسيّرات

شهد الثالث من مارس/آذار تطوراً تكتيكياً بارزاً اعتُبر نقطة تحول رئيسية في طبيعة التهديدات التي تواجه إسرائيل. ووفق بيانات تحليل التهديدات، تجاوزت اختراقات ما يُعرف بـ"الطائرات المعادية" – والتي تتمثل في الغالب في الطائرات المسيّرة الانتحارية – عدد إنذارات الصواريخ التقليدية للمرة الأولى.

فقد ارتفع عدد هذه الحوادث إلى أكثر من 200 اختراق في يوم واحد.

وجاء هذا التطور بالتزامن مع دخول حزب الله اللبناني إلى المواجهة العسكرية، حيث بدأ بإطلاق رشقات صاروخية وطائرات مسيّرة استهدفت مناطق شمال إسرائيل.

ويركز الحزب بشكل خاص على هذه المناطق بهدف الضغط لإخلائها من السكان، في خطوة يرى فيها مراقبون رداً مباشراً على إخلاء سكان الضاحية الجنوبية في بيروت.

ومنذ تلك اللحظة، أصبحت الطائرات المسيّرة تمثل التهديد الأكثر استمراراً وتأثيراً. وعلى عكس الصواريخ الباليستية التي تسير في مسارات يمكن التنبؤ بها، تتميز المسيّرات بقدرتها على التحليق ببطء والمناورة لفترات طويلة فوق المناطق المأهولة.

وفي كثير من الحالات، يؤدي اختراق طائرة مسيّرة واحدة إلى إطلاق صفارات الإنذار عبر مناطق جغرافية واسعة، خصوصاً عند تغيير مسارها أثناء التحليق، مما يدفع مئات الآلاف من السكان الإسرائيليين إلى التوجه نحو الملاجئ.

وأشارت تقارير إعلامية إسرائيلية إلى أن دخول حزب الله إلى المواجهة أعاد تحديات كبيرة أمام منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية. كما أكدت أن سكان شمال إسرائيل يعيشون منذ ذلك الحين تحت تهديد دائم نتيجة أسراب الطائرات المسيّرة والرشقات الصاروخية المتكررة.

كما أوضحت تلك التقارير أن الاعتماد على قدرات الاعتراض وحدها لا يوفر الحماية الكافية للجبهة الداخلية. فبالرغم من تطوير منظومات الدفاع الجوي واستخلاص الدروس من المواجهات السابقة، فإن غياب رؤية إستراتيجية واضحة لضرب سلاسل إنتاج وتشغيل الطائرات المسيّرة لدى حزب الله فرض على الجيش الإسرائيلي التعامل مع هذا التهديد في ظروف ضاغطة للغاية.

وتشير التقديرات الاستخباراتية الإسرائيلية إلى أن هذا الخطر قد يستمر حتى نهاية القتال.

استهداف القلب الاقتصادي

وعلى الرغم من أن المناطق الواقعة على طول "خط المواجهة" مع الحدود اللبنانية تسجل العدد الأكبر من الإنذارات، فإن تحليل البيانات الخاصة بكل مدينة على حدة يكشف عن إستراتيجية أوسع تستهدف المركز الاقتصادي لإسرائيل.

فقد سجلت مدن تقع في عمق منطقتي غوش دان وشفيلا – مثل بيتح تيكفا، وجفعات شموئيل، وكريات أونو، وشرق رمات غان – أعداداً متقاربة جداً من الإنذارات تراوحت بين 70 و75 إنذاراً لكل مدينة.

ويشير هذا التماثل في الأرقام إلى تنفيذ رشقات صاروخية كثيفة ومنسقة استهدفت مباشرة منطقة تل أبيب الكبرى، وهو ما أدى فعلياً إلى تعطيل القلب المالي والديموغرافي لإسرائيل.

وقد أكدت وسائل الإعلام الإسرائيلية في عدة تقارير سقوط صواريخ في مناطق مختلفة من تل أبيب الكبرى، مما أسفر عن وقوع إصابات وأضرار واسعة، كان آخرها في مدينة ريشون لتسيون.

كما اضطرت السلطات الإسرائيلية إلى إغلاق المجال الجوي أمام الرحلات المدنية لمدة ستة أيام متتالية بسبب التصعيد الأمني.

وأدى ذلك إلى بقاء أكثر من 100 ألف إسرائيلي عالقين في الخارج، قبل أن تسمح السلطات لاحقاً بتسيير عدد محدود من الرحلات لإعادتهم. غير أن بعض هذه الرحلات واجهت صعوبات وتأخيرات في الهبوط بسبب استمرار الضربات الصاروخية التي تستهدف منطقة تل أبيب.

شلل مبرمج

يكشف توقيت الضربات أيضاً عن إستراتيجية دقيقة تهدف إلى إحداث اضطراب نفسي واقتصادي داخل إسرائيل.

فمن خلال تحليل التوزيع الزمني للإنذارات على مدار اليوم، يتضح أن عمليات القصف ليست عشوائية. إذ تبلغ ذروة الهجمات في الساعة 12:00 ظهراً بالتوقيت المحلي، مع موجات إضافية في الساعة 07:00 صباحاً و14:00 و15:00 بعد الظهر.

ويشير هذا النمط إلى أن الضربات صُممت لاستهداف ساعات التنقل الصباحية وفترات النشاط الاقتصادي في منتصف اليوم، في حين تبقى الساعات بين 03:00 و05:00 فجراً أكثر هدوءاً نسبياً.

ويهدف هذا التوقيت إلى تعظيم تأثير الضربات على النشاط الاقتصادي وإبقاء الحياة اليومية في حالة اضطراب مستمر.

خسائر بشرية متزايدة

فيما يتعلق بالخسائر البشرية، أفادت تقارير إسرائيلية بمقتل 16 شخصاً داخل إسرائيل خلال الفترة الممتدة بين 28 فبراير/شباط و9 مارس/آذار.

وتوزعت هذه الخسائر على عدة مناطق، حيث شهدت منطقة بيت شيمش قرب القدس مقتل تسعة أشخاص، بينما لقي خمسة آخرون مصرعهم في منطقة تل أبيب الكبرى. كما أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل جنديين على الحدود اللبنانية.

وفي بيان صدر اليوم الاثنين، أعلنت وزارة الصحة الإسرائيلية أن عدد المصابين نتيجة الرد الإيراني على الضربات الأمريكية والإسرائيلية ارتفع إلى 2142 مصاباً، من بينهم 142 شخصاً يتلقون العلاج في المستشفيات.

حرب استنزاف متعددة الجبهات

تشير هذه المعطيات إلى أن ما بدأ كعملية أمريكية إسرائيلية مشتركة استهدفت اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، تحول سريعاً إلى حرب استنزاف متعددة الجبهات.

وتوضح البيانات أن الجيش الإسرائيلي يعتمد بدرجة كبيرة على التفوق الناري والقدرات الاستخباراتية – بما في ذلك الدعم الأمريكي – لتنفيذ عمليات عسكرية خارجية، مثل الاغتيالات الدقيقة.

لكن في المقابل، تبقى الجبهة الداخلية الإسرائيلية عرضة لضغط مستمر نتيجة حملة جوية منظمة تقوم على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة بشكل متواصل بهدف تعطيل الحياة اليومية وشل الحركة الاقتصادية.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 3